الشهادات علي لاهوت المسيح من يوحنا 1



Holy_bible_1



انجيل يوحنا باكمله يتكلم عن يسوع المسيح الله المتجسد ولاهوته وقدم لنا شهادات كثيره جدا عن لاهوته وايضا الاصحاح الاول فقط يتكلم باكمله علن لاهوت المسيح ولكن ساركز هنا فقط علي الشهادات المختلفة عن لاهوت المسيح في هذا الاصحاح

اولا كاتب هذا الاصحاح هو يوحنا الحبيب وهو يكتبه شهاده شخصية منه علنيه للعالم فكل الاصحاح هو شهاده ليوحنا وهذه شهادة الانجيل

انجيل يوحنا

21: 24 هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا و كتب هذا و نعلم ان شهادته حق



وثانيا يبدا الاصحاح بشهادة اللوغوس نفسه وشهادة اللاهوت عن نفسه

انجيل يوحنا 1

1: 1 في البدء كان الكلمة و الكلمة كان عند الله و كان الكلمة الله

1: 2 هذا كان في البدء عند الله

1: 3 كل شيء به كان و بغيره لم يكن شيء مما كان

1: 4 فيه كانت الحياة و الحياة كانت نور الناس

وهنا نلاحظ شهادة الله وفيها شهادة الاب وهو الله والابن كلمة الله الخالق والروح القدس روح الله المعطي الحياة والاب والابن والروح القدس اله واحد

وتتكرر مره ثانيه

1: 33 و انا لم اكن اعرفه لكن الذي ارسلني لاعمد بالماء ذاك قال لي الذي ترى الروح نازلا و مستقرا عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس

فشهادة الاب في السماء والاعلان ليوحنا وشهادت الابن في الماء وشهادة الروح القدس في ظهوره ايضا



ثالثا شهادات يوحنا المعمدان السبعة

اولا

1: 6 كان انسان مرسل من الله اسمه يوحنا

1: 7 هذا جاء للشهادة ليشهد للنور لكي يؤمن الكل بواسطته

1: 8 لم يكن هو النور بل ليشهد للنور

ثانيا

1: 15 يوحنا شهد له و نادى قائلا هذا هو الذي قلت عنه ان الذي ياتي بعدي صار قدامي لانه كان قبلي

1: 16 و من ملئه نحن جميعا اخذنا و نعمة فوق نعمة



ثالثا

1: 19 و هذه هي شهادة يوحنا حين ارسل اليهود من اورشليم كهنة و لاويين ليسالوه من انت

1: 20 فاعترف و لم ينكر و اقر اني لست انا المسيح

1: 21 فسالوه اذا ماذا ايليا انت فقال لست انا النبي انت فاجاب لا

1: 22 فقالوا له من انت لنعطي جوابا للذين ارسلونا ماذا تقول عن نفسك

1: 23 قال انا صوت صارخ في البرية قوموا طريق الرب كما قال اشعياء النبي

1: 24 و كان المرسلون من الفريسيين

1: 25 فسالوه و قالوا له فما بالك تعمد ان كنت لست المسيح و لا ايليا و لا النبي

1: 26 اجابهم يوحنا قائلا انا اعمد بماء و لكن في وسطكم قائم الذي لستم تعرفونه

1: 27 هو الذي ياتي بعدي الذي صار قدامي الذي لست بمستحق ان احل سيور حذائه



رابعا

1: 29 و في الغد نظر يوحنا يسوع مقبلا اليه فقال هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم

1: 30 هذا هو الذي قلت عنه ياتي بعدي رجل صار قدامي لانه كان قبلي



خامسا

1: 32 و شهد يوحنا قائلا اني قد رايت الروح نازلا مثل حمامة من السماء فاستقر عليه

1: 33 و انا لم اكن اعرفه لكن الذي ارسلني لاعمد بالماء ذاك قال لي الذي ترى الروح نازلا و مستقرا عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس

وهذه فيها شهاده ايضا للاب والروح القدس ايضا

سادسا

1: 34 و انا قد رايت و شهدت ان هذا هو ابن الله



سابعا

1: 35 و في الغد ايضا كان يوحنا واقفا هو و اثنان من تلاميذه

1: 36 فنظر الى يسوع ماشيا فقال هوذا حمل الله

1: 37 فسمعه التلميذان يتكلم فتبعا يسوع

وهذه الشهاده الاخيره تحمل ايضا في طياتها شهادت تلميذين علي كلام يوحنا



رابعا شهادة تلاميذه

اولا باعمالهم وسلطانهم

1: 12 و اما كل الذين قبلوه فاعطاهم سلطانا ان يصيروا اولاد الله اي المؤمنون باسمه



ثانيا شهادة اندراوس

1: 41 هذا وجد اولا اخاه سمعان فقال له قد وجدنا مسيا الذي تفسيره المسيح



ثالثا شهادة فيلبس

1: 45 فيلبس وجد نثنائيل و قال له وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس و الانبياء يسوع ابن يوسف الذي من الناصرة



رابعا شهادة نثنائيل

1: 49 اجاب نثنائيل و قال له يا معلم انت ابن الله انت ملك اسرائيل



خامسا شهادة الملائكة

1: 51 و قال له الحق الحق اقول لكم من الان ترون السماء مفتوحة و ملائكة الله يصعدون و ينزلون على ابن الانسان



وندرس معا باختصار شديد الالقاب التي لقب بها الرب يسوع المسيح في هذا الاصحاح

و كان الكلمة الله

وهذا التعبير لوحده اثبات لاهوت وان الرب يسوع المسيح اللوغوس هو الله الكلمة وهذا افردت له ملف

في البدء كان الكلمة هل معني البدء اثبات الوهية



النور

والمسيح هو نور العالم وهو شرح ذلك ووضح انه هو نور العالم والله هو فقط النور الحقيقي ولهذا فهو لقب يثبت لاهوته

إنجيل يوحنا 8: 12


ثُمَّ كَلَّمَهُمْ يَسُوعُ أَيْضًا قَائِلاً: «أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ».



إنجيل يوحنا 9: 5


مَا دُمْتُ فِي الْعَالَمِ فَأَنَا نُورُ الْعَالَمِ».



إنجيل يوحنا 12: 46


أَنَا قَدْ جِئْتُ نُورًا إِلَى الْعَالَمِ، حَتَّى كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِي لاَ يَمْكُثُ فِي الظُّلْمَةِ.



الرب يسوع المسيح هو النور الحقيقي هو نور العالم هو مصدر النور ومن يقبله ويتبعه وينفذ وصاياه يصبح من ابناء النور وينير للعالم بانعكاس نور المسيح عليه



بعدي صار قدامي لانه كان قبلي صار قدامي لانه كان قبلي بعدي الذي صار قدامي

وهذا تعبير يثبت ازليته وهو كائن قبل يوحنا وهذا كرره المسيح باكثر من طريقه وشرحته في ملف

قبل ان يكون ابراهيم انا كائن واثبات الوهية



ملئه

وتعبير الملئ هذا عميق جدا فالله هو ملئ كل شيئ وبخاصه انه يتكلم عن النعمه والحق ولا نقدر ان نصف انسان بانه ملئ النعمة وملئ الحق ولكن الرب يسوع المسيح الله الظاهر في الجسد هو الوحيد المستحق لقب ملئ النعمة وملئ الحق



انا صوت صارخ في البرية قوموا طريق الرب

وهنا يوحنا المعمدان يعلن بوضوح ان يسوع هو المسيح هو الرب

وكما شرحت سابقا لقب الرب وهو كيريوس وهو ترجمه لقب يهوه العبري اسم الله القدوس لليهود وهذا في ملف

اثبات ان السيد المسيح قال لفظيا انه الله



حمل الله حمل الله

الذبيح الكفاري الوحيد لان الانسان لا يقدر ان يكفر خطايا نفسه وهوذا حمل الله الذي يرفع قالها المعمدان بروح النبوة، إذ رأي مجمل الفداء في لحظة. هذه أوضح شهادة عن المسيح قدمها إنسان، لكنه إنسان مملوء بالروح الذي فتح عيني قلبه. وقوله حمل الله أي المعين من الله والمقدم كذبيحة والمقبول من الله. وربما كانت عين المعمدان وهو يقول هذا على خروف الفصح أو الحمل الذي يقدم كذبيحة صباحية وذبيحة مسائية. واسم الحمل يدل على وداعة المسيح ولطفه وحنانه وتسليمه [فالحمل صامت وديع. لا يفتح فاه أمام من يجزه (إش7:53)] وغفرانه.

خطية العالم قالها بالمفرد لتشير للمعنى الكلي للخطايا، ولأصل الخطايا ومبدأها ونبعها. والمسيح قدم الخلاص لكل العالم ولكن من يخلص هو من يؤمن ويعتمد (مر16:16). يرفع= جاءت في المضارع بمعنى يرفع ويظل يرفع خطايا العالم (1يو5:3) ويوحنا شعر بأن معموديته لا ترفع خطايا الناس بل هذا الحمل سيرفعها، بل هو سينهي سطوتها (رو14:6+ رو3:8).



هو الذي يعمد بالروح القدس

وقال عنه سيعمد بالروح القدس، ومن الذي له هذا السلطان سوى ابن الله، وكانت العلامة التي بها يعرف أنه المسيح هي حلول الروح القدس كحمامة عليه. وكثيرون أعطاهم الروح القدس أن ينطقوا بأن المسيح هو ابن الله (بطرس مت17:16، نثنائيل يو49:1، مرثا يو26:11-27والأعمى أول مدافع عن المسيح آمن بهذا يو38:9). ومن يرى ويعرف يشهد.



ابن الله ابن الله

ولقب ابن الله شرحتها سابقا في موضوع الوحدانية والمساواة وهو تعبير متفرد للمسيح لانه ابن الله بالطبيعه اي ان ابن الله تعني من طبيعة الله وليس ابن الله مثلنا بالتبني وهو تعبير اثبات لاهوت قوي



فاعطاهم سلطانا

اي ان المسيح ليس فقط له سلطان ولكن هو يعطي السلطان من عنده , ولايوجد احد يعطي السلطان الا الله فهذا التعبير يؤكد لاهوت المسيح انه هو الله القادر علي كل شيئ ويعطي السلطان لمن يشاء



مسيا

وهو لقب لاهوتي قوي وتكلمت عنه في ملف

المسيا في الفكر اليهودي



الذي كتب عنه موسى في الناموس

وهو يشير الي نبوات ناموس موسي بطريقه عامه وهذي ذكرت الكثير منها في ملف النبوات واثبات اللاهوت

وايضا يشير بطريقه خاصه الي كلام موسي في تثنية 18 عن مثلي ومثلك بمعني انه مثل الله اي الطبيعه الالهية ومثل موسي اي الطبيعه البشرية

وهذا شرحته في ملف

ماذا تعني كلمة مثلي في تث 18: 15 هلي الكلمه تعني مثل الله ام مثل موسي ؟



و الانبياء

ايضا كما شرحت سابقا يوجد نبوات كثيره جدا عن لاهوت المسيح وشرحتها في ملف نبوات العهد القديم واثبات اللاهوت



معلم

ونعترف ان المسيح هو معلمنا الحقيقي ايضا



ملك اسرائيل

وهو ملك الملوك ورب الارباب ولقب اسرائيل الله يجاهد وينتصر وهذا لان الرب يسوع المسيح هو الله المجاهد والمنتصر علي الارض وفي كل وقت وزمان ومكان

آمن به إذ رآه قادراً مقتدراً يعرف كل شيء فآمن أنه المسيا المنتظر. واليهود يفهمون أن الله هو ملك إسرائيل الحقيقي. وكان إختيارهم لشاول ملكاً رفضاً لله كملك لهم. وكان نثنائيل هو أول من اعترف من التلاميذ بأن المسيح هو إبن الله (المعمدان قالها قبله). المسيح لم يقل له طوباك.. لحماً ودماً لم يعلنا لك بل أبي. لأن بطرس كان يعنيها كما أعلنها له الله كحقيقة لاهوتية. أما نثنائيل فهو يقصد أن المسيح هو ملك سيعيد الملك لإسرائيل. نثنائيل قصدها بمعنى يهودي بحت.



واخيرا اضع ما قاله ابونا تادرس يعقوب واقوال الاباء عن نعمة المسيح

النعمة الإلهية

(نعمة فوق نعمة)

يقدم لنا معلمنا يوحنا البشير خلال السفر كله شخص الكلمة الإلهي المتجسد كمصدر فيضٍ من النعم الإلهية بلا توقف، خاصةنعمة الخلق ونعمة البنوة لله مع فيضٍ من النعم.يقول الإنجيلي: "ومن ملئه نحن جميعًا أخذنا، نعمة فوق نعمة، لأن الناموس بموسى أُعطي أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا" (يو ١: ١٥–١٧). وقد سبق لنا نشر كتاب عن النعمة الإلهية في مدرسة الإسكندرية باللغة الإنجليزية، أرجو أن يسمح لي إلهي بترجمته ونشره. أود هنا أن أقدم عرضًا مبسطًا للنعمة الإلهية[271].

ماذا تعني النعمة؟

لم يهتم آباء الكنيسة في الشرق بتقديم تعاريف للمصطلحات اللاهوتية سواء للنعمة أو غيرها، بالرغم من الحديث بفيضٍ عن عمل النعمة ودورها في حياة المؤمن منذ خلقته إلى يوم لقائه مع الرب على السحاب.

ما يشغل ذهن الكنيسة، خاصة كنيسة الإسكندرية، هو الخبرة الحية والاتحاد مع الله كعربون للتمتع بالحياة الأبدية. لهذا لا نعجب إن استخدم العلامة أوريجينوس اسم "المسيح" عوض عطاياه أو نعمه[272]، وفي مواضع أخرى يدعو السيد المسيح "ملكوت في شخص"، فإن من ينعم بملكوت الله إنما يتمتع بالكلمة الإلهي نفسه، واهب النعم ومشبع كل الاحتياجات.

حاول بنيامين بريوريBenjamin Drewery أن يقدم تعريفًا للنعمة الإلهية خلال أعمال أوريجينوس العديدة فقال [يمكننا أن نقترح أنه إذا سُئل أوريجينوس عن تقديم تعريف منهجي للنعمة فإنه يجيب بشيء مثل هذا: "النعمة هي قوة الله المجانية، لكنها ليست غير مشروطة، توضع تحت تصرف الإنسان، بواسطتها يترجم الخلاص إلى حياة جديدة تبلغ الذروة، معلنة ومقننة في الكتب المقدسة، بواسطة يسوع المسيح المتجسد، وتصير به مملكته للعالم"[273].

النعمة وكلمة الله

إذ تغمرنا النعمة الإلهية نسبح في لجة محبة الله الفائقة التي تحصرنا من كل جانب، والتي لا نستطيع أن نحصر طولها وعرضها وعمقها وارتفاعها نتطلع إلى الكتاب المقدس لننهل من الوعود الإلهية الفائقة.

حقًا لقد خلق الله الإنسان ليتحدث الكلمة الإلهي معه وجهًا لوجه. وكان أبوانا الأولان يتمتعان بصوت الله ماشيًا في الجنة (تك 3: 8). أما وقد أعطى الإنسان ظهره لمصدر النعم، لم يتركه الله بل وهبه الناموس ليرتفع به إلى غنى نعمته. وجاء الكتاب المقدس ليس ورقًا وحروفًا مكتوبة بل لقاءً حيًا مع الكلمة الإلهي وراء الحروف.

من يتمتع بنعمة إدراك أسرار الكتاب المقدس يتمتع بالشركة مع الكلمة الإلهي، وتدخل نفسه الفردوس الروحي المشبع.

v     لا يمكن نوال أمر صالح بعيدًا عن الله، وأما فوق كل شيء فهو فهم الكتب المقدسة الموحى بها[274].

v     المعنى الروحي الذي يهبه الناموس لا يدركه الكل، وإنما الذين يُمنحون نعمة الروح القدس في كلمة الحكمة والمعرفة[275].

v     ليتنا نحث الله لكي ما كما أن الكلمة تنمو فينا، نتقبل اتساع الفكر في المسيح يسوع، وبهذا يمكننا أن نسمع الكلمات المقدسة[276].

v     كثيرون يسعون لتفسير الكتب المقدسة... لكن ليس الكل ينجحون. فإنه نادرًا ما يوجد من له هذه النعمة من الله[277].

العلامة أوريجينوس

v    "حبيبي هو شبيه بالظبي أو بِغُفْرِ الأيائل. هوذا واقف وراء حائطنا، يتطلع من الكوى، يُوَصْوِص من الشبابيك" (نش 9:2)...

يمكن تفسير معنى هذه الآية كالآتي: لا تكلمني من الآن فصاعدًا برموز الأنبياء والوصايا. وحتى أراك اظهر لي نفسك حتى آتى إلى داخل الصخرة، الإنجيل، وأترك خلفي حائط الوصايا. وحتى أسمعك اجعل صوتك يرن في أذني. فإذا كان صوتك حلوًا جدًا من خلال شبابيك الأنبياء، فكم تكون رؤية وجهك الجميل مُجْلِبةً للحب والسعادة؟

فهمت العروس السرّ في صخرة الإنجيل التي قادها إليها الكلمة بطرق عديدة ومختلفة (عب 11:1)، بينما كان عند الشبابيك. والآن ترغب العروس في ظهوره في الجسد، حتى يمكن رؤية اللّه في الجسد ويتكلم عن الوعود الإلهية للسعادة الأبدية لكل من يستحقها.

لاحظ توافق كلمات سمعان مع رغبة العروس: "الآن تطلق عبدك يا سيد حسب قولك بسلام، لأن عيني قد أبصرتا خلاصك" (لو 29:2، 30). رأى سمعان مثلما أرادت العروس أن ترى. وهؤلاء الذين استقبلوا صوت المسيح الحلو تعرفوا على نعمة الإنجيل وصرخوا: "يا رب إلى من نذهب؟ كلام الحياة الأبدية عندك" (يو 68:6)[278].

القديس غريغوريوس النيسي

نعمة الخلق

في تفسيرنا لعبارة "نعمة فوق نعمة" رأينا كيف أن الله أب كل البشرية يبسط يديه ليهب من فيض سخائه نعمته لكل بشرٍ. حقًا توجد نعم عامة يشترك فيها كل إنسان، كما توجد نعم خاصة تمتع بها شعب الله قديمًا بالإيمان خلال الناموس الموسوي، وأما ما قدمه الكلمة الإلهي المتجسد خلال صليبه فيفوق كل فكر. إنه كنز من النعم مفتوح لكل إنسان يقبله ويتجاوب معه. ولعل أول نعمة تمتع بها الإنسان هو "الخلق".

اهتم القديس أثناسيوس الرسولي بالحديث عن نعمة الخلق، فقد أوجد الله الإنسان ليس فقط من العدم إلى الوجود، فيشعر أنه مدين له بكل حياته، وإنما أوجده أيضًا حاملاً نعمة صورته. بهذا يتمكن من ممارسة الحياة الفردوسية، وادراك أسرار معرفة الله، والاتصال بالخالق، فيتمثل به، ويراه ويحيا معه خالدًا إلى الأبد.يشرح القديس عمل الكلمة (اللوغوس) الخالق كواهب نعمة التمتع بصورة الله،واعادتها لنا بتجديد طبيعتنا بعد فسادها.

v     طالما يحفظ الإنسان تلك السمة الإلهيةTautotis، فإنه لا ينعزل قط عن إحساسه بالله، أو يبتعد عن شركة حياة القديسين، بل إذ يستعيد نعمة الله التي وُهبت له، وإذ يمتلك القدرة الخاصة التي من اللوغوس كلمة الآب، فإنه يتهلل فرحًا متحدثًا مع الله، فيحيا الحياة المباركة التي بلا ألم، والخالدة بالحقيقة (عديمة الموت). وإذ لا يعوقه عائق عن المعرفة الإلهية، يتأمل دوما بطهارته[279] صورة الأب، أي في الله اللوغوس، الذي خلق الإنسان على صورته، ويتعجب إذ يدرك تدبير الله للكون بواسطة اللوغوس.

لهذا يسمو فوق كل محسوس وكل رؤية جسدانية، فيرتبط بالحقائق الإلهية والمعقولة[280] في السماوات بقوة الذهن. لأنه حينما لا تتصل أذهان الناس بالأجساد، ولا يوجد شيء مختلط بالأذهان من خارج، والذي ينبع من شهوة تلك الأجساد، بل تسمو (تلك الأذهان) بالتمام وتتكامل في ذاتها، كما خلقت منذ البدء.

وإذ تدع جانبًا كل الأمور الحسية والبشرية فإن الذهن يرتفع إلى عنان السماء.

وإذ يعاين اللوغوس يرى فيه الآب،أب اللوغوس، فيختبر الفرح الغامر عند هذه الرؤيا، ويتجدد باشتياقه إليه.

ويشبه ذلك الأمر حالة الإنسان الأول المخلوق الذي دعي آدم (بحسب اللغة العبرانية)، والذي يقول عنه الكتاب المقدس إنه كان في البدء ذا ذهن مثبت على الله بدالة لا تخزى، وإنه عاش حياة الشركة مع القديسين في تأمل الحقائق المعقولة التي اقتناها في ذاك الموضوع، والذي يسميه القديس موسى بشكل تصويري "الفردوس"، وكانت النفس الطاهرة بالحق قادرة أن ترى الله ذاته الذي ينعكس فيها كمرآة. كما قال الرب نفسه: "طوبى للأنقياء القلب، لأنهم يعاينون الله"[281].

القديس أثناسيوس الرسولي

نعمة حرية الإرادة

v     أعطى اللّه الطبيعة العاقلة نعمة حرية الإرادة، وأنعم على الإنسان القدرة على تحديد ما يريده حتى يسكن الصلاح في حياتنا، ليس قسرًا ولا لاإراديًا بل نتيجة للاختيار الحر. إن تمتعنا بحرية الإرادة يؤدى بنا إلى اكتشاف حقائق جلية. في طبيعة الأمور إذا ما أساء أحد استخدام مثل هذه الإرادة الحرة فإنه بحسب كلمات الرسول يصير مثل هذا الشخص مخترعًا لأعمال شريرة (رو 30:1). كل من هو من اللّه يُعد أخًا لنا، أما الذي يرفض الاشتراك في أعمال الصلاح يتم ذلك بكامل إرادته[282].

القديس غريغوريوس النيسي

نعمة الناموس

الناموس، سواء الطبيعي أو الموسوي، في ذاته عطية عظيمة، ونعمة مقدمة من الله، لتهيئ لنعمة الإنجيل، لكن لا وجه للمقارنة بين الظل والحقيقة.

v     النعمة التي معنا ليست كتلك التي لهم (لليهود)، فإننا لم ننل مجرد غفران الخطايا، بل نلنا البرّ والتقديس والبنوة ونعمة الروح القدس الأكثر بهاءً وبهجة وفيضًا. بهذه النعمة صرنا نشتاق إلى الله، ليس كعبيدٍ بل كأبناء وأصدقاء. عن هذه الحال يقول: "نعمة فوق نعمة". حتى الأمور الخاصة بالناموس هي من النعمة... إذ قَبِلَ البشر الناموس كترفقٍ وعفوٍ ومحبةٍ ونعمةٍ[283]

v     كان يوجد تقديس، والآن يوجد التقديس.

كان يوجد عماد والآن العماد.

كانت هناك ذبيحة والآن توجد الذبيحة.

كان يوجد هيكل والآن يوجد الهيكل...

هكذا كانت توجد نعمة والآن توجد النعمة.

لكن الكلمات في الحالة الأولى استُخدمت كرموزٍ، وفي الثانية كحقائق تحمل ذات الصوت ولكن ليس ذات المعنى[284].

القديس يوحنا الذهبي الفم

نعمة إعادة ما فقدناه

إذ فقد الآن صورة الله صارت حياته جحيمًا لا يُطاق، وتحول الفردوس إلى سجن، وأنبتت له الأرض شوكًا وحسكًا. لم تقف نعمة الله مكتوفة الأيدي مهما كلفها الأمر، حتى وإن كان الثمن تجسد الكلمة وإعلان حبه بقبوله الموت صلبًا حتى يهب الإنسان بهجة القيامة ويتمتع ببرّ المسيح، ويرد روحه القدوس صورة الله فيه.

v     فما العمل إذن؟ إلى من يمكن اللجوء لاستعادة نوال مثل تلك النعمة، سوى إلى كلمة الله الذي خلق في البدء كل الأشياء من العدم؟ إذ يختص هو وحده بأن يأتي بمن كان في الفساد إلى عدم الفساد وأن يحقق ما يليق بالآب فوق كل شيء، إذ هو كلمة الله الآب الذي فوق الجميع لأنه وحده القادر أن يستعيد للجميع ما كان مفقودًا، وأن يتألم لأجل الجميع، وأن يكون شفيعًا لدي الآب لأجل الكل[285].

القديس أثناسيوس الرسولي

 نعمة القيامة والغلبة على الموت

يقول السيد المسيح لمرثا: "أنا هو القيامة"، فإن كان الفساد قد حل بجسد لعازر الميت لمدة أربعة أيام، فهو حال في كل نفسٍ وجسدٍ، قد انتن الإنسان تمامًا بسبب موت الخطية. جاء "القيامة" يهبنا ذاته، فنتمتع بالشركة معه، فيحررنا من سلطان الموت، ولا يقدر الفساد أن يحل بنا. بروح القوة والنصرة ننشد مع الرسول بولس: "أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا هاوية؟ أما شوكة الموت فهي الخطية... ولكن شكرًا لله الذي يعطينا الغلبة بربنا يسوع المسيح" (١ كو ١٥: ٥٥–٥٧). هذه هي نعمة القيامة.

v     لكي يستعيد اللوغوس المتأنس عدم الفساد إلى البشر الذين انحدروا إلى الفساد، فيحيهم من حالة الموت، أخذ جسدهم لنفسه، حتى يبيد الموت ويلاشيه بواسطة نعمة القيامة كما تلتهم النار الهشيم[286].

v     لقد مات الموت حقًا... فلم يعد مزعجًا بعد، بل بالأحرى فإن المؤمنين بالمسيح يطأون الموت كأنه عدم،بل أنهم يفضلون الموت عن إنكار إيمانهم بالمسيح. كل هذا لأنهم يعلمون أنهم لا يفنون بالموت، بل يحيون بالقيامة ويصيرون عديمي فساد[287].

القديس أثناسيوس الرسولي

 نعمة التبني لله الآب

         الكلمة الإلهي هو الابن بالطبيعة، مولود من الآب، نور من نور، فيه ننال نعمة التبني لله الآب:

v     أمرنا الله أن نعتمد ليس باسم "الخالق والمخلوق"، بل باسم الآب والابن والروح القدس" (مت 28: 19)، لأننا إذ نحن من بين المخلوقات، نصير هكذا (بالمعمودية) مكتملين،وبهذا نصير أبناء[288].

القديس أثناسيوس الرسولي

v     إن كان بينكم من هو عبد للخطية فليستعد بالإيمان استعدادًا تامًا للميلاد الجديد في الحرية والتبني. وبخلعه العبودية لخطاياه المرذولة وارتدائه عبوديته للرب المطوَّبة يصير أهلاً لميراث ملكوت السماوات.

اخلعوا"الإنسان العتيق الفاسد حسب شهوات الغرور"(أف 22:4)بالاعتراف، حتى تلبسوا الإنسان"الجديد الذي يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه" (كو 10:3).

بالإيمان خذوا"عربون الروح القدس" (2كو 22:1) لكي يقبلونكم في المظال الأبدية (راجع لو 9:16).

تعالوا لتنالوا الختمالسري حتى يعرفكم السيد بسهولة، وتكونون محصيين بين قطيع المسيح المقدس الروحاني، ويكون مكانكم عن يمينه، فترثوا الحياة المعدة لكم، أما هؤلاء اللابسون ثوب خطاياهم الدنس فيبقون عن يساره، إذ لم يأتوا بالمسيح إلى نعمة اللٌه في الميلاد الجديد بالمعمودية.

 وإنني أعني بالميلاد الجديد ميلادًا روحيًا جديدًا للنفس، فالوالدون المنظورون يلدوننا حسب الجسد، أما أرواحنا فتُولد ميلادًا جديدًا بالإيمان، إذ"الريح تهب حيث تشاء"، عندئذ متى وُجدتم مستحقين تسمعون الصوت القائل:"نعمًا أيها العبد الصالح والأمين" (مت 21:25)، وذلك إن كان ضميركم غير ملوث بدنس الرياء[289].

القديس كيرلس الأورشليمي

نعمة الروح القدس

كثيرًا ما شغل منظر عماد السيد المسيح قلب القديس كيرلس الكبير، فرأي الكنيسة كلها في المسيح الرأس بكونها جسده، فمع أن الروح القدس هو روحه الذي لا ينفصل عنه، لأنه واحد معه في الجوهر، لكنه حل عليه في العماد، من أجل تمتع الكنيسة به. فنعمة الروح القدس هي عطية واهب العطايا والنعم لكنيسته ولكل عضو فيها. قدم لنا نعمة الروح القدس الذي يبكتنا على الخطية، ويدين عدو الخير الذي يود هلاكنا، ويهبنا برّ المسيح. يقدم لنا الحق، إي السيد المسيح، ويجدد طبيعتنا، ويقودنا في الطريق، الذي هو المسيح، ويوَّحدنا في استحقاقات دم المسيح مع الآب، ويهبنا شركة مع السيد المسيح ومع السمائيين ومع بعضنا البعض.

v     هكذا أيضًا توضح عبارة داود في مز 44: 7- 8 أنه ما كان لنا أن نصير شركاء الروح القدس ولا أن نتقدس لو لميكناللوغوس المتجسد، الذي هو واهب الروح قد مسح نفسه بالروح لأجلنا، ولهذا فمن المؤكدأننا كنا نحن الذين قبلنا الروح القدس حينما قيل انه مُسح بالجسد. لأن جسده الخاص هو الذي تقدس أولاً، وإذ قيل عنه كإنسان، إن جسده قد نال هذا (الروح)، فلأجل هذا ننال نحننعمة الروح آخذين إياها "من ملئه"[290].

القديس أثناسيوس الرسولي

v     كان سكب للروح علينا، أما للرب يسوع الذي كان في شكل إنسانٍ، فالروح استقر عليه... بخصوصنا فإن سخاء المُعطي يعين بفيضٍ، أما بالنسبة له فيسكن فيه كمال الروح أبديًا. يسكب إذن حسبما يكفينا، وما يسكبه لا ينفصل ولا ينقسم، أما ما هو له فهو وحدة الكمال الذي به ينير بصيرة قلوبنا حسب قدرتنا على الاحتمال. أخيرًا نحن نتقبل حسب ما يتطلبه تقدم ذهننا. من أجل كمال نعمة الروح غير منظور، ولكنه يساهم فينا حسب إمكانية طبيعتنا[291].

القديس أمبروسيوس

نعمة الشركة في الطبيعة الإلهية

إخلاء كلمة الله ذاته ليحمل شكل العبد وهبنا إمكانية المجد الداخلي الفائق، موضع سرور الله، إذ يرى ملكوته قائمًا فينا، وموضع سرور السمائيين، إذ يمجدون الله على غنى هذه النعمة الفائقة.

مع خبرتنا اليومية لهذا المجد الداخلي وسط تيارات العالم المرة يتجلى هذا المجد في أروع صوره يوم لقائنا مع العريس السماوي على السحاب، فنحمل صورته، ونُزف كعروس سماوية، ملكة تجلس عن يمين ملك الملوك. هذه هي نعمة شركة الطبيعة الإلهية العاملة في أعماقنا.

v     يا للسر العجيب! الرب تنازل، الإنسان ارتفع.

v     يقول الرسول: "ألا تعلمون أنكم هياكل الله" (١ كو ٣: ١٦). فالغنوصي (المؤمن صاحب المعرفة الروحية الحقيقية) بالتبعية إلهي، وقد صار بالفعل مقدسًا، حاملاً الله، ومحمولاً بالله.

v     مزارع الله، إذ يمنحنا ميراث الآب العظيم حقًا والإلهي الذي لا يمكن نقله إلى آخر، يؤله الإنسان بتعليم سماوي، ويضع نواميسه في أذهاننا، ويكتبها في قلوبنا[292].

v     القديس اكليمنضس السكندري

v     صار كلمة الله إنسانًا، لكي تتعلم كيف يصير الإنسان إلهًا[293].

v     شاركنا يسوع المسيح بشريتنا لكي يمنحنا فيضًا من غناه[294].

القديس كيرلس الكبير

v     قيل عن المسيح أنه أخذ كإنسان ما كان له دائمًا كإله، حتى إن تلك النعمة، التي وُهبت له يمكن أن ننالها نحن أيضًا، لأن اللوغوس لم ينقص قدره باتخاذه جسدًا حتى يسعى للحصول على نعمة، بل إنه بالأحرى قد ألَّه ذلك الجسد الذي لبسه، بل وأكثر من ذلك، فقد أنعم بهذه النعمة على جنس البشر[295].

القديس أثناسيوس الرسولي

v     لداود الحق أن يصرخ، كإنسانٍ قد تجدد، "وسآتي إلى مذبح الله، إلى الله الذي يعطي فرحًا لشبابي" (مز 43:4). كما قال قبلاً إنه شاخ وسط أعدائه... وهو يقول هنا إنه قد استعاد الشباب بعد طول شيخوخة وسقوط الإنسان. لأننا قد تجددنا بالتجديد الذي نلناه في المعمودية، وتجددنا خلال سكب الروح القدس، وسنتجدد أيضا بالقيامة، كما يقول في نصٍ آخر: "فيتجدد مثل النسر شبابك" (مز 103:5) فاعلموا طريقة تجديدنا: "تنضح علَّي بزوفاك فأطهر، تغسلني فأبيَّض أكثر من الثلج" (مز 51:9) وفي إشعياء: "إن كانت خطاياكم حمراء كالقرمز، تبيض كالثلج" (إش 1:18) ومن يتغير من الظلمة، ظلمة الخطية، إلى نور الفضيلة وإلى النعمة، إنما قد تجدد فعلاً. لهذا فإن ذاك الذي تلطخ قبلاً بالدنس الأحمق، يشرق الآن بسطوع أكثر بياضًا من الثلج[296].

القديس أمبروسيوس

v     يقول السيد المسيح: "يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها، كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا" (مت 37:23). تتوافق هذه التعبيرات مع ما كنا نفترضه. فإذ قال النص المقدس الموحى به، لأي سبب سري لا نعرفه، أن الطبيعة الإلهية لها أجنحة، لذلك يكون الإنسان الأول الذي خلق على حسب صورة اللّه، شبيهًا له في كل شيء (تك 26:1). أستنتج من ذلك أن الإنسان الأول خُلق بأجنحة حتى يكون شبيها بالطبيعة الإلهية. ويتضح أن كلمة "أجنحة" يمكن أن ترمز إلى اللّه. فهي قوة اللّه ونعمته وعدم فساده وكل شيءٍ آخر. وامتلك الإنسان جميع هذه الصفات طالما كان على شبه اللّه في كل شيءٍ، ولكن ميلنا إلى الشر سلب منا الأجنحة. (فلم نكن تحت حماية أجنحة اللّه، بل نُزعت منا أجنحتنا الخاصة). لذلك ظهرت لنا نعمة وبركة اللّه، وأنارت عقولنا حتى تنمو لنا أجنحة من خلال الطهارة والبرً بعد أن ننبذ الرغبات الدنيوية ونتجه إلى اللّه بكل قلوبنا[297].

القديس غريغوريوس النيسي

نعمة اقتناء حياة المسيح

v     بالسخاء ذاك الذي يعطينا أعظم كل العطايا، حياته ذاتها[298].

القديس إكليمنضس السكندري

v    (إذ صار إنسانًا) صرنا الآن قادرين أن نقتنيه، نقتنيه هكذا بالعظمة، وبذات طبيعته التي كان عليها، إن كنا نعد له مكانًا لائقًا في نفوسنا.

v     المسيح الذي هو كل فضيلة، يأتي ويتكلم على أساس أن ملكوت الله في داخل تلاميذه وليس هو هنا وهناك[299].

العلامة أوريجينوس

نعمة رائحة المسيح الذكية

v     هكذا تشبَّه بولس العروس بالعريس في فضائله، وصور بعطره الجمال الذي لا يُدنى منه. من ثمار الروح الحب، الفرح، السلام وما شابه ذلك. صنع عطره، واستحق أن يصير "رائحة المسيح الذكية" (2 كو 15:2). لقد استنشق القديس بولس هذه النعمة الغير مدركة التي تجاوزت كل نعمة، وأعطى نفسه لآخرين كرائحة ذكية ليأخذوا منها على قدر طاقتهم، حسب تدبير كل إنسان. صار بولس الرسول عطرًا، إما لحياة أو لموت، فإنه إذا ما وضعنا العطر ذاته أمام خنفس وأمام حمامة، فلن يكون له تأثير مماثل على الاثنين؛ فبينما تصير الحمامة أكثر قوة حين تستنشقه فإن الخنفس يموت حينذاك. هكذا الحال مع الرائحة المقدسة، مع بولس الرسول العظيم الذي شابه الحمامة[300].

القديس غريغوريوس النيسي

نعمة الفضيلة

v     بحق يمكن للإنسان أن يصف نفس القديس بولس بكونها حاملة بذار الفضيلة وفردوسًا روحيًا. فقد ترعرعت في داخله النعمة بعمقٍ، كما كان دائمًا يهيئ أعماقه لتنمو النعمة فيها وتزدهر. وحين صار إناءً مختارًا دأب على تنقية نفسه فاستحق أن ينسكب عليه الروح القدس بفيض. هكذا صار لنا مصدر أنهارٍ كثيرة وعجيبة، ليست فقط الأنهار الأربعة التي نبعت في الفردوس، وإنما أنهار أخرى كثيرة تجرى كل يومٍ لكل واحدٍ منا لتروى ليس فقط الأرض، بل نفوس البشر فتجعلها تنبت الفضائل[301].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     ليعطنا الرب الإله نعمة التواضع التي تقتلع الإنسان من أمراض كثيرة وتحفظه من تجارب كثيرة[302].

الأب دورثيؤس من غزة

v     بنعمة الله، منذ تركت العالم لم انطق بكلمة واحدة ندمت عليها فيما بعد[303].

الأب بامبو

v     ليس شيء من هبات الله للبشرية قُدم على سبيل إيفاء دين بل الكل هو من خلال النعمة[304].

العلامة أوريجينوس

نعمة الآب والابن

تقديم النعمة الإلهية هو عمل إلهي واحد، عمل الثالوث القدوس محب البشر. فالآب يهب نعمته بفيض بالكلمة الإلهي، بكونه قوة الله وحكمته، يقدمها لنا بروحه القدوس بكونه روح القوة والحكمة. فالنعمة الإلهية هي نعمة الآب والابن والروح القدس، عمل واحد للثالوث القدوس.

v     من المستحيل أن الآب عندما يعطى نعمة، ألا يعطيها بالابن، لأن الابن موجود في الآب، مثلما يوجد الشعاع في الضوء. وذلك ليس كأن الله معوز أو ضعيف، بل كأب "قد أسس الأرض بحكمته"(أم 3: 19)، وصنع كل الأشياء بالكلمة المولود منه، ويختم على الحميم المقدس (المعمودية) بالابن. وأوجد كل الأشياء بواسطة كلمته، اللوغوس الذاتي، وأكمل الحميم المقدس في الابن. وحيث يكون الآب فهناك يكون الابن أيضًا. كما أنه حيث يكون النور هناك يكون الشعاع أيضًا.

ولهذا أيضًا عندما وعد الابن القديسين تكلم هكذا: "إليه نأتي، أنا والآب، وعنده نصنع منزلاَ"(يو 14: 23).وأيضًا "لكي يكونوا هم أيضًا واحدًا فينا... كما إننا نحن واحد" (يو 17: 21، 22). وهذا يعنيأن النعمة هي واحدة، وهي معطاة من الآب بالابن، كما يكتب بولس في كل رسائله، "نعمة لكم وسلام أبينا والرب يسوع المسيح". (رو 1: 7، 1 كو 1: 3، أف 1: 2)[305].

v     لأن هناك نعمة واحدة من الآب في الابن، كمايوجد نور واحد للشمس وشعاعها. وكما تشرق الشمس من خلال الشعاع، هكذا أيضًا وبذات الأسلوب فإن القديس بولس يبعث بتمنياته لأهل تسالونيكي قائلاً: "والله نفسه أبونا والرب يسوع المسيح يهدى طريقنا إليكم"(1تس3: 11). ومن ثم يحفظ وحدانية الآب والابن. فلم يقل بولس (إن الله أبانا والرب يسوع المسيح) "يهديان" وكأن النعمة مزدوجة المصدر يعطيها اثنان، أي بواسطة هذا وذاك، بل يقول "يهديKatavtheinai" لكي يوضح أن الآب يُعطي هذه النعمة بالابن.

إذن فتلك "العطية الواحدة" تكشف عن وحدانية الآب والابن. وأن كل ما يُعطى يُعطى بالابن، وما من شيء يعمله الآب من دون الابن، لأنه بهذه الطريقة تكون النعمة مضمونة لمن يتقبلها[306].

القديس أثناسيوس الرسولي

 نعمة ميراث الملكوت

غاية خلقتنا هي تمتعنا بالخلود مع الله أبينا، يكون لنا نصيب في أحضانه الإلهية. هذا ما شغل قلب ربنا يسوع المسيح وفكره، محتملاً عار الصليب عوضًا عنا لننعم بنعمة الملكوت أبديًا. ولا يزال مسيحنا في السماء يعد لكل واحدٍ منا موضعًا، فهو مشغول بميراثنا الأبدي.

v     كيف حصلنا على النعمة "قبل الأزمنة الأزلية" بينما لم نكن قد خلقنا بعد، بل خلقنا في الزمن، لو أن النعمة التي وصلت إلينا لم تكن مودعة في المسيح؟لهذا ففي الدينونة، عندما ينال كل واحد بحسب عمله يقول: "تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم"(مت 25: 34). كيف إذا أو بواسطة من أعد الملكوت قبل أن يخلقنا؟ إن لم يكن بواسطة الرب الذي به تأسيس قبل الدهور لأجل هذا الغرض، لكي ببنياننا عليه كحجارة ملتئمة نشترك في الحياة والنعمة الممنوحتين[307].

القديس أثناسيوس الرسولي

إذ يحدثنا القديس يوحنا الذهبي الفم عن نعمة ميراث الملكوت يوضح لنا أننا في هذا الملكوت الأبدي نتمتع بنعمة عدم الفساد، فلا نُحرم من الجسد الذي اشترك في الجهاد مع النفس وتقدس معها بعمل روح الله القدوس، إنما يُنزع كل أثر للفساد فيه، حاملاً  طبيعة عدم الفساد اللائقة بالحياة الأبدية.

v     يريد أن يقول: إني أخلع ما هو غريب عني، والغريب ليس هو الجسد، ولكن الفساد. ولهذا يقول: لسنا نريد أن نخلعها (أي خيمة الجسد) ولكن أن نلبس فوقها، أي نلبس عدم الفساد. إذن نخلع الفساد ونلبس عدم الفساد. فهو يريد أن ينبذ ما جاء نتيجة الخطية، وفي الوقت نفسه يكتسب كل ما أعطته النعمة الإلهية.

ولكي نعلم أن الخلع لا يقوله من جهة الجسد بل يقوله من جهة الفساد والموت، اسمع ما يقوله بعد ذلك مباشرة: "إذ لسنا نريد أن نخلعها بل نلبس فوقها"، ولم يقل: لكي يُبتلع الجسدي من اللاجسدي، لكن ماذا يقول؟ "لكي يُبتلع المائت من الحياة". لهذا فهو لا يتحدث عن خلع الجسد بل عن خلع الموت والفساد. فالحياة التي تأتي إلى الجسد (بالقيامة) لن تبيد الجسد، بل الفساد والموت اللذين في الجسد.

إذن فالأنين ليس بسبب الجسد، بل بسبب الفساد الموجود في الجسد. فالجسد هو عبء ثقيل لا بسبب طبيعته، بل بسبب الفساد الذي دخله فيما بعد. والجسد بحد ذاته لم يُجعل للفساد بل لعدم الفساد. وهو يحمل تلك الخاصية حتى حين صار قابلاً للفساد. ولذلك فإن ظل الرسل كان يطرد القوات غير الجسدية، والملابس التي كانت تستر أجسادهم كانت تشفي المرضى وتعيدهم أصحاء. لا تحدثوني عن أمراض الجسد والأمور الأخرى التي يذكرها الذين يتكلمون ضد الجسد، لأن كل هذه الأمور لم تكن من طبيعة الجسد، بل هي بسبب الفساد الذي دخل الجسد فيما بعد.

لو أردتم أن تعرفوا حقيقة الجسد وقيمته، دققوا النظر في خلق أعضاء الجسد وشكل هذه الأعضاء ودقائق أعمالها بتوافق وتناسق وانسجام، فإنك عندئذ ستتأكد أن أداء هذه الأعضاء والتوافق فيما بينها هو أمر أكثر مثالية وأمل من مدينة تحترم قوانينها ومواطنيها جميعًا من الحكماء[308].

القديس يوحنا الذهبي الفم

نعمة الخلود فيه

v     لكن الآن قد صار الكلمة إنسانًا، وأخذ ما يخص الجسد، فلم تعد تلك الأشياء تمس الجسد بسبب اللوغوس الذي سكن فيهم، والتي أُبيدت بواسطته. فلم يعد البشر خطاة وأمواتًا بعد بحسب الأهواء الخاصة بهم، بل إذ قاموا بحسب قوة اللوغوسظلوا عديمي الموت، وعديمي الفساد إلى الأبد.

 وإذ قد أخذ الرب جسدًا من مريم والدة الإله، فإن الذي أعطى الآخرين أصل حياتهم، قيل عنه هو نفسه أنه قد وُلد، ليصبح هو ذاته أصلنا، فلا نعود نرجع إلى الأرض بعد باعتبارنا مجرد تراب من الأرض، لكن إذ اتحدنا باللوغوس نقل هو إلى ذاته ضعفات الجسد الأخرى أيضًا، حتى تكون لنا شركة في الحياة الأبدية، لا كبشر، بل كمن ينتمي إلى اللوغوس.

لأننا لا نموت بعد في آدم بحسب نشأتنا الأولي، بل إذ قد تحول أصلنا وضعف جسدنا إلى اللوغوس، نقوم من التراب، إذ زالت عنا لعنة الخطية بسبب ذاك الذي هو فينا والذي صار لعنة من أجلنا.

فإننا نحن جميعًا الذين من الأرض نموت في آدم، وإذ قد تجددنا من فوق، حيث أُعيد أصل نشأتنا من الماء والروح، فقد أحيينا في المسيح، ولم يعد الجسد ترابيًا بعد، بل إنه تأله (إذ صارت له خاصية اللوغوس)، بسبب حكمة الله، الذي لأجلنا صار جسدًا[309].

القديس أثناسيوس الرسولي

v     لأنك إن عارضت أمر خلاصي من الفساد بالطبيعة، فأنظر لئلا تعارض كلمة الله الذي رفع عني صورة العبودية، لأنه الرب الذي أخذ جسدًا، وصار إنسانًا. فإننا نحن البشر بالمقابل، وقد تألهنا باللوغوس إذ أُخذنا فيه بواسطة جسده، وهكذا من الآن فصاعدًا سنرث الحياة الأبدية[310].

القديس أثناسيوس الرسولي

نعمة التمتع بمعرفة الحق الإلهي

خلق الله في الإنسان حنينًا نحو التعرف على الحقيقة غير المتغيرة، فقدم السيد المسيح نفسه بكونه "الحق". من يقتنيه يتمتع بمعرفة الحق كنعمة إلهية مجانية.

v     نحن نعلم أن الابن قد جاء، وأعطانا بصيرة لنعرف (الله) الحق، ونحن في الحق، في ابنه يسوع المسيح، هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية (1 يو 5: 20). ونحن قد صرنا أبناء في الابن بالتبني والنعمة، لأننا نشارك في روحه، إذ أن "كل الذين قبلوه أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنون باسمه" ( يو 1: 12). ولهذا أيضًا فالابن هو الحق إذ يقول "أنا هو الحق" وفي حديثه إلى الآب يقول: "قدسهم في حقك، كلمتك هو حق" (يو 14: 6؛ 17: 17)، ونحن بالمحاكاة نصير خيرين وأبناء[311].

v     لهذا كان واضحًا للكل أن البشر حقًا جاهلون، لكن اللوغوس ذاته باعتباره الله الكلمة، يعرف كل شيء حتى قبل حدوثه. لأنه حينما صار إنسانًا لم يكف عن أن يكون هو الله، ولم يستنكف من أمور الإنسان بكونه هو الله، بئس هذا الفكر. بل بالأحرى، إذا هو الله، قد أخذ لذاته الجسد، وإذا هو في الجسد فإنه يؤله هذا الجسد. لأنه كما سأل أسئلة هكذا أيضًا أقام الميت، وأظهر للكل أن الذي يحيي الميت ويستدعي روحه، يعرف بالأكثر أسرار الجميع. إنه يعرف حقًا أين يرقد لعازر، ومع هذا يسأل، لأن لوغوس الله الكُلى القداسة، الذي احتمل كل شيء لأجلنا، إنما قد فعل ذلك، حتى بأخذه جهلنا، يهبنا نعمة المعرفة، معرفة أبيه الحقيقي وحده، ومعرفته أنه هو الابن المرسل لأجل خلاصنا جميعًا. فأية نعمة أعظم من هذه النعمة؟[312]

القديس أثناسيوس الرسولي

v     "لأنه ابتهج قلبي، واسترخت حقواي، وصرت كلا شيٍء، ولا أعرف وصرتُ كبهيمٍ عندك، ولكني دائمًا معك" (مز21:73-23)... هكذا يبدو الإنسان بهيمًا أعجمًا بالمقارنة لا أقول بالمسيح، بل حتى بالملائكة، لكن حتى إن كان الأمر كذلك، لا نيأس، لأن الربَ يحفظ البشرَ والبهائم كليهما معًا. (مز 6:36). ومن ثم فلأنني لم أتعلم من ذاتي بل منك، فإنني ألتصق بك دومًا حتى أكف عن أكون بهيمًا، وحينئذ تقول لي: "وأما أنت فقفْ هنا معي"! (تث 31:5) فالإنسان الذي بجهله انحدر إلى الحماقة ونقص المعرفة، الذي يوزن بميزان البهيمة، يبدأ من جديد فيصير إنسانًا، حينما تشمله نعمة الله، فهو حقًا إن اقتدر بالعقل والنعمة، لأثبت أنه إنسانًا بتلك الحقيقة عينها. ومن ثم يتهلل أنه انفصل عن الحيوانات العجماوات، ودخل في شركة البشر الذين يفتقدهم الله ويحميهم. لأنه ما هو الإنسان إلا الذي يفكر الرب فيه ويفتقده؟ (قابل مز 4:8)[313].

القديس أمبروسيوس

v     سريعًا ما تنحل رباطات الجهل خلال الإيمان البشري والنعمة الإلهية، وتُمحى خطايانا بدواء الله الكلمة.فنُغتسل من كل خطايانا، ولا نعود بعد فنكون مرتبكين في الإثم. لا تعود شخصياتنا تبقى كما كانت كسابق عهدها قبل الغسل. فإن المعرفة تبرز للوجود جنبًا إلى جنب مع الاستنارة، ففي لحظة نسمع نحن غير المتعلمين أننا صرنا تلاميذ المسيح. فإن الإرشادات تؤدي إلى الإيمان، ونتعلم الإيمان مع العماد بالروح القدس. هذا الإيمان هو الخلاص الجامع الواحد للبشرية.

القديس إكليمنضس السكندري

نعمة الثبوت في الآب والابن

v     "بهذا نعرف أننا نثبت في الله وهو فينا إنه قد أعطانا من روحه" (1 يو 4: 13)، لهذا فإنه بسبب نعمة الروح القدس التي أعطيت لنا، نصبح نحن في الله وهو فينا، حيث أن المقصود هنا هو روح الله الذي من خلال مجيئه ليصير فينا، نُعتبر نحن أيضًا في الله والله فينا إذ لنا الروح.

v     هكذا إذن لا نكون في الآب مثل الابن الذي هو كائن في الآب، لأن الابن ليس شريكًا للروح حتى يصبح نتيجة لذلك في الآب، ولا هو متقبل للروح القدس مثلنا، بل أن الابن بالأحرى يعطى الروح القدس للجميع.

وليس الروح هو الذي يربط كيان اللوغوس بالآب، بل أن الروح القدس بالأحرى هو الذي يأخذ من اللوغوس. لأن الابن كائن في الآب بصفته كلمته الذاتي وإشعاعه، بينما نحن بدون الروح القدس غرباء عن الله، بعيدون عنه وبشركتنا في الروح نتحد بالله.لهذا فإننا نصير في الآب ليس من أنفسنا، بل من الروح القدس الذي فينا، والذي نحفظه ثابتًا فينا من خلال الاعتراف، كما يقول يوحنا أيضًا: "من يعترف أن يسوع هو ابن الله، فالله يثبت فيه، وهو في الله" (1يو 4: 15)[314].

القديس أثناسيوس الرسولي

نعمة الشبع والفرح

v     "صارت لي دموعي خبزًا نهارًا وليلاً، إذ قيل لي كلَ يوم: أين إلهك؟" (مز 42 :3)، وبحق دُعيتْ الدموعُ هنا خبزًا، حيثُ الجوع إلى البرّ. "طوبى للجياع والعطاش إلى البرّ، لأنه يُشبعون" (مت 5: 6)، لهذا توجد دموع بمثابة خبزٍ، تقَّوى وتسند قلبَ الإنسان (قابل مز 104 :15)، ومقولة الجامعة المأثورة تناسب المقامَ هنا أيضًا "الِق خبزك على وجه المياه" (جا 11 :1LXX)، لأن خبزَ السماء هناك، حيث مياه النعمة. حقا أن أولئك الذين تتدفق من بطونهم أنهار ماء حَّية (قابل يو 7: 38؛ 4:10)، سوف ينالون عون الكلمة (الإلهي) وتعضيده، وقوتًا من نوعٍ سري (باطني). أيضا يوجد هذا الخبز الحي، (قابل يو 6: 51)، حيث هنا مياه الدموع والبكاء، بكاء التوبة. لأنه لهذا كُتب: "بالبكاء يأتون وبالعزاء أعيدهم" (إر 31: 9LXX). لهذا طوباهم الذين خبزهم الدموع؛ لأنهم يستحقون أن يضحكوا؛ لأنه "طوبى للباكين!" (لو 6: 21)[315].

v     "لأني سأدخل موضعَ الخيمة العجيبة، إلى بيت الله، بصوت الفرح والحمد، بصوت جمعٍ معيَّد واحد." (مز 42:4). بكى بحق لأنه يسكن الأرض، بينما تنتظره المظال السماوية، حيث يدخل في الوقت المناسب إلى قدس القدير. (قابل مز 84:2، 3،10). بالحقيقة فضل وآثر ذلك الموضوع على كل ثروةِ مملكته، كما شهد هو قائلاً في نصٍ آخر: "واحدةً سألتُ من الرب، وإياها التمس أن أسكن في بيت الرب كلَ أيام حياتي، لكي أنظر إلى فرحِ الرب" (مز 27: 4)، فرحُ الربِ في الكنيسة.

الكنيسة أيقونة السماويات، بعد أن يزول الظل حقًا تظهر الأيقونة جلَّيةً. (قابل عب 10 :1، كو 2: 17). والظل هو المجمع اليهودي. وفي الظل الناموس، لكن في الإنجيل الحق. لهذا فإن أيقونةَ الحق تسطع في نور الإنجيل، لهذا بكى المرتل بسبب تأجيل الخيرات التي امتلأت حتى الحافة كاملةً بالنعمة والفرح[316].

القديس أمبروسيوس

نعمة النور

v     تعبر النفس من الخطأ إلى الحق، وتتبدل صورة حياتها المظلمة إلى نعمة فائقة. انتقل بولس الرسول عروس المسيح من الظلمة إلى النور، إذ يقول لتلميذه تيموثاوس، كما العروس لوصيفاتها، إنه قد صار مستحقًا إن يكون جميلاً، لأنه كان قبلاً مجدفًا ومضطهدًا ومفتريًا ومظلمًا (1 تي 13:1). ويقول بولس الرسول أيضًا أن المسيح جاء إلى العالم لينير للذين في الظلمة. لم يدعُ المسيح أبرارًا بل خطاة إلى التوبة، الذي جعلهم يضيئون كأنوار في العالم (في 15:2)، بحميم الميلاد الثاني الذي غسلهم من صورتهم السوداء الأولى[317].

v     زارت ملكة أثيوبيا سليمان بعد ما سمعت عن حكمته، وقدمت له هدايا من الذهب والأحجار الكريمة والعطور (1 مل 1:10-3)، ويتضح سرّ هذه الزيارة من دراسة عجائب الإنجيل. لأنه من لا يعرف أن الكنيسة جاءت من مجتمع الظلمة من بين الأمم عابدي الأصنام، الذين عاشوا بعيدًا عن معرفة اللّه وكانوا منفصلين عنه بخليج الجهل العظيم. ولكن عندما أضاءت نعمة اللّه وحكمته، وأرسل النور الحقيقي أشعته إلى من كانوا في الظلمة وظلال الموت. أغمضت إسرائيل عيونها للنور، ورفضت أية مشاركة في الخير. لكن الأثيوبيين أسرعوا إلى الإيمان من بين الأمم، الذين كانوا بعيدون اقتربوا بعدما غسلوا أنفسهم من الظلمة بالمياه المقدسة. لقد اقتادهم الروح القدس إلى اللّه وقدموا هدايا للملك: بخور النسك والعبادة وذهب معرفة اللّه الملك وأحجارًا كريمة للوصايا وعمل الفضيلة[318].

القديس غريغوريوس النيسي

نعمة الكرازة والشهادة

v     لماذا لم تُرسل الملائكة في مهمة الكرازة بالإنجيل؟ لكي لا يكون للإنسان عذر في كسله أو إهماله، فيُبَرر نفسه بحُجة اختلاف الطبيعة البشرية عن الطبيعة الملائكية، لأن الفرق عظيم.

من العجيب حقًا إن الكلمة المنطوقة من لسان ترابي لها القدرة على اقتلاع الموت، وغفران الخطايا، وإعادة النظر للعميان، وتحول الأرض سماءً، وهذا يجعلني أتعجب من قدرة الله ويزداد إعجابي وإكرامي لغيرة بولس لنواله تلك النعمة وتهيئة نفسه وإعدادها حتى يستحق نوالها.

إني أُحثٌك لا لتتعجَب، بل لتقتدي بالمثال الأعلى للفضيلة، وبهذه الطريقة تستحق أن تُشاركه في إكليله، ولا تُفاجأ بأنه يمكن لأي شخص أن يصير كبولس في خدمته لو تمثٌل واقتدى به، فيردد في قلبه كلمات بولس: "قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان، وأخيرًا قد وضع لي إكليل البرّ، الذي يهبه لي في ذلك اليوم الرب الديان العادل، وليس لي فقط، بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضًا" (2 تي 4: 7، 8).

رأيت كيف يدعو الجميع لمشاركته في إنجازاته، وبالتالي فالمكافأة أيضًا معروضة ومفتوحة للجميع.

فلنجتهد جميعنا لنثبت استحقاقنا للبركات الموعودة لنا، ولننظر ليس فقط لعظمة ومجد الحياة في الفضيلة، لكن نتأمل أيضًا في ثبات الهدف الذي من خلاله نحقق هذه النعمة. ولنعرف أن بولس لم يختلف عن طبيعتنا بأية حال من الأحوال، ولكنه كان مثلنا، وهذا يجعل ما يبدو صعبًا ومستحيلاً بالنسبة لنا قد صار سهلاً وخفيفًا، لأنه بعد هذا الوقت القصير من العمل والجهاد سنرتدي إكليل عدم الفساد الأبدي بواسطة نعمة وصلاح ربنا يسوع المسيح الذي له المجد والكرامة الآن وكل أوانٍ وإلى أبد الآبدين. آمين[319].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     الآن نراه يكشف الحديث عن دور كنسي، لأن أولئك الذين أرشدتهم النعمة وقد صاروا شهودًا للكلمة لا يكتموا الحق محتفظين به لأنفسهم، بل بالأحرى يبشرون به آخرين ممن لحقوهم. لذلك تقول العذارى للعروس التي تمتعت أولاً بالصلاح إذ التقت بالكلمة وجهًا لوجه، واستحقت أن تتعرف على الأسرار الخفية: "نبتهج ونفرح بك، نذكر حبك أكثر من الخمر" (نش 4:1)[320].

القديس غريغوريوس النيسي

نعمة ديناميكية

من أجلنا قيل عن السيد المسيح: "وكان الصبي ينمو ويتقوى بالروح ممتلئًا حكمة، وكانت نعمة الله عليه" (لو 2: 40)، وأيضًا: "وأما يسوع فكان يتقدم في الحكمة والنعمة عند الله والناس" (لو 2: 52). وكما يقول العلامة أوريجينوس: [لقد أخلي ذاته وأخذ شكل العبد (في 7:2)... وبالقدرة التي بها أخلي ذاته نما أيضًا.] هكذا يدخل بنا إلى طريق النمو الدائم في النعمة. فالنعمة فينا هي عمل الله المستمر الديناميكي غير المتوقف.

v     المقصود بالنمو إذن هو نمو الجسد، لأنه بنمو جسد المخلص يُستعلن الله أكثر فأكثر (من خلال بشرية المخلص) لمن يرونه. وإذا يُستعلن اللاهوت أكثر فاكثر، هكذا بالأحرى تزداد نعمة بشريته بالأكثر كإنسان أمام جميع الناس. لأنه كطفلٍ حُمل إلى الهيكل، ولكن حينما صار صبيًا بقى في الهيكل وناقش الكهنة حول الناموس "حتى بهتوا من فهمه وأجابته"(لو 2: 47) [321].

القديس أثناسيوس الرسولي

v    ينمو الطفل يسوع المولود بداخلنا بمختلف الطرق في الحكمة والقامة والنعمة في قلب من يستقبله ليسكن فيه (لو 52:2).

يسكن المسيح في كل قلب نقي، ولكن بصورة مختلفة حسب قامة الإنسان الذي يسكن بداخله. يظهر ذاته حسب طاقة كل إنسان. فإنه يأتي كطفلٍ أو كصبيٍ أو كإنسانٍ ناضجٍ على مثال العناقيد.

لا يظهر المسيح بنفس الصورة على الكرمة، لكنه يغير هيئته مع مرور الوقت الآن تبرعم، لقد نبت، ثم نضج، وصار يانعًا، وأخيرًا صار خمرًا.

 إذ يحمل الكرم ثمرته يحمل معها وعدًا، حقًا إنه لم ينضج بعد ليعطي خمرًا، ولكنه ينتظر مرحلة النضوج. وفي الوقت ذاته لا يحرمنا من السرور، لأنه يفرح حاسة الشم بدلاً من التذوق باعتبار ما سيكون؛ خلال عطر الرجاء يعطى عذوبة لحواس النفس.

إن الإيمان الثابت بالرجاء في النعمة يصير بهجة لنا، نحن الذين ننتظر في صبر. وهكذا فإن الطاقة الفاغية تحمل وعدًا بالخمر. إنها ليست بعد خمرًا، لكنها تنبت نبته الرجاء. إنها تنتظر نعمة لم تأتِ بعد[322].

v     وبالرغم من أن المرحلة التي بلغ إليها الشخص الآن أعلى في الحقيقة مما كان عليه سابقًا، إلا أن هذه المرحلة لا تحد من تقدمه، لكنها تصبح بداية لاكتشاف نعمة أعلى.

فالشخص الذي يرتفع لا يقف أبدًا ساكنًا. إنه يتحرك من إحدى البدايات إلى التي تليها، وبدايات النعمة الأعلى ليست محدودة. لذلك فرغبة النفس التي ترتفع تزداد في المعرفة وفي الرغبة في الارتفاع إلى مستويات أعلى، وتستمر في النمو محققة التقدم إلى الغير محدود[323].

القديس غريغوريوس النيسي

نعمة جامعة

v     "صرت كل شيء لكل البشر، لكي أربح الكل" (١ كو ٩: ٢٢). تمطر النعمة الإلهية على الأبرار والأشرار (مت ٥: ٤٥).

هل هو إله اليهود وحدهم، أم إله الأمم أيضًا؟ نعم هو إله الأمم أيضًا، بالحقيقة هو الله الواحد (رو ٣: ٢٩–٣٠)، هذا ما يعلنه الرسول السامي[324].

القديس اكليمنضس السكندري

v     شكرًا لله، فإنه وإن كانت نعمة النبوة قد اقتصرت على إسرائيل، صارت الآن نعمة أعظم من كل ما كان لهم، انسكبت على الأمم بيسوع المسيح[325].

العلامة أوريجينوس

v    تأملوا نقطة أخرى، "إنما صالح الله لإسرائيل، لأنقياء القلب" (مز 1:73). فهل الله ليس صالحًا للجميع إذن؟ حقًا هو صالح للكل، لأنه مخلص جميع البشر، خاصة للمؤمنين. لهذا أتى الرب يسوع ليخلص ما قد هلك (لو 10:19).

حقًا جاء ليحمل خطية العالم" (يو 29:1)، ويشفي جراحتنا، لكن ليس الجميع يرغبون في العلاج!

كثيرون يتجنبونه! لئلا يحقن القرح بالعقاقير، ويفقد سطوته. لهذا السبب يشفي الذين يريدون الشفاء ولا يرفضونه.

فمن يرغبون في العلاج يستعيدون صحتهم، أما الذين يقاومون الطبيب ولا يطلبونه لا يتمتعون بصلاحه، لأنهم لا يختبرونه!

من نال الشفاء يستعيد صحته، لهذا فالطبيب صالح بالنسبة للذين أعاد إليهم عافيتهم. من ثمة الله صالح لأولئك الذين غفر خطاياهم، لكن إن كان لإنسان خطية لا علاج لها في روحه، فكيف يُقيّم الطبيب على إنه صالح، بينما هو يتحاشاه؟

لهذا كما قلت قبلاً، شرح الرسول بحق أن الله "الذي يريد أن الجميع يخلصون" (1 تي 4:2)، هو صالح لكل الناس. أما نعمة صلاح الله الخاصة فهي مكفولة بالأكثر لجميع المؤمنين، الذين ينالون عونًا من إرادته الصالحة ونعمته. لكن حين يقول المرتل أيضًا: "إنما صالح الله لإسرائيل، لأنقياء القلب" فإنه ينقل مشاعر الذين لا يعرفون كيف يتمتعون بما يخص الله، عدا إنه صالح نحو كل شيء وهو في الكل[326].

القديس أمبروسيوس

واهب النعمة يطلب النعمة لحسابنا

v    عندما يقول المخلص إذن، بحسب الأقوال التي يتذرعون بها، "دُفع إلى كل سلطان" (مت 28: 18) و"مجد ابنك" (يو 17: 1)، وحينما يقول بطرس "وسلاطين وقوات مخضعة له" (1 بط 3: 22)، يجب أن نفهم كل تلك النصوص بنفس المعنى، أعني أن المخلص يقول ذلك كله بشريًا، بسبب الجسد الذي لبسه، إذ أنه وهو غير المحتاج قيل عنه رغم ذلك إنه نال ما ناله بشريًا.

 هكذا أيضًا، فبقدر ما نال الرب، وبقدر ما تستقر النعمة عليه، تبقي النعمة محفوظة لحسابنا، لأن حينما يأخذ الإنسان بمفرده، فهناك احتمال فقدان ما أخذه، وقد ظهر ذلك في حالة آدم، لأنه بعد أن نال خسر ما ناله.

 ولكي تصير تلك النعمة بلا استرداد، وتظل محفوظة للبشر فقد أخذ المخلص العطية لنفسه وقال إنه قد أخذ سلطانًا كإنسانٍ، ذلك السلطان الذي يمتلكه على الدوام كإله.

ومن يمجد الآخرين يقول: "مجدني"، ليظهر أن له جسد في حاجة إلى السلطان والمجد. ومن هنا فحينما يأخذ الجسد (شيئًا ما)، ولأن ذلك الجسد الذي يأخذ خاص بالمخلص الذي صار إنسانًا، لهذا قيل إن المخلص هو الذي نال ما ناله[327].

القديس أثناسيوس الرسولي

v    إن كان اللوغوس قد حلّ بيننا لكي يفدي البشر، وصار جسدًا لكي يُقدسهم ويؤلههم (لأنه لأجل هذا حقا قد صار جسدًا). فإنه يبدو جليًا للجميع، إنه حينما صار جسدًا نال مواهب الروح لأجلنا، وليس لأجله هو، لأن مواهب الروح التي يعطيها الآب بواسطة الابن كانت تُعطى لأجل ذلك الجسد، الذي كان يلبسه حينما تحدث.

لكن لنتأمل ما طلبه الرب، وماذا كانت تلك المواهب التي قيل إنه نالها، حتى يعود (أولئك الهراطقة) إلى رشدهم. لقد سأل إذ طلب المجد(يو17: 1)، ومع هذا قال: "كل شيء قد دُفعإليّ من أبي" (لو 10: 22). وبعد القيامة، يقولإنه نال كل سلطان في السماء وعلى الأرض(أنظر مت 28: 18). لكنه حتى قبل ذلك قال فعلاً: "دُفع إليّ كل شيء"، إذ إنه رب الجميع، "لأن كل شيء به كان" (يو 1: 1)، ويوجد "رب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء ونحن به"(1كو8: 6). وحينما كان يطلب المجد، كان هو رب المجد، كما هو دائمًا كما يقول بولس: "لو عرفوا لما صلبوا رب المجد"(1كو2: 8). وحين طلب المجد بقوله: "مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم" فإن ذلك المجد كان له أصلاً[328].

القديس أثناسيوس الرسولي



والمجد لله دائما