«  الرجوع   طباعة  »

هل كل غني يجب ان يبيع كل املاكه ليتبع المسيح ؟ متي 19: 17-21 و مرقس 10: 17-27 و لوقا 18: 18- 27



Holy_bible_1



الشبهة



قال المسيح لشاب غني في متى 19 :17 و21 » 21قَالَ لَهُ يَسُوعُإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلاً فَاذْهَبْ وَبعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي». 22فَلَمَّا سَمِعَ الشَّابُّ الْكَلِمَةَ مَضَى حَزِينًا، لأَنَّهُ كَانَ ذَا أَمْوَال كَثِيرَةٍ.«.

ألا يعني هذا أننا نحصل على الخلاص بالأعمال الصالحة وليس بالإيمان بالمسيح؟.. وهل يعني هذا أن كل غني يجب أن يبيع أملاكه قبل أن يكون مستحقاً لإتباع المسيح؟.



الرد



الجزء الاول اليمان والاعمال هذا له ملف مستقل ونحن نؤمن بالايمان العامل وليس الاعمال فقط بدون ايمان لانها اعمال بر ذاتي مرفوضة ولا ايمان فقط بدون اعمال لانه ايمان ميت

وكلام الرب يسوع المسيح ليس عن هذا الامر ولكن عن حب المال والاتكال عليه

مثل الشاب الغني لا يطبق علي كل المسيحيين بطريقة حرفية ولكن يجب ان يفهم مضمونة ثم يطبق بما هو مناسب والانسان المسيحي ليس مطلوب منه ان يبيع كل ما يمتلك فهو مسؤل عن اسرة ولكن عليه ان يكون سخي في العطاء

رسالة بولس الرسول الأولى إلى تيموثاوس 6: 18


وَأَنْ يَصْنَعُوا صَلاَحًا، وَأَنْ يَكُونُوا أَغْنِيَاءَ فِي أَعْمَال صَالِحَةٍ، وَأَنْ يَكُونُوا أَسْخِيَاءَ فِي الْعَطَاءِ، كُرَمَاءَ فِي التَّوْزِيعِ،

من يساله يعطيه بفرح كمن يعطي اخوة الرب الفقراء

إنجيل متى 5: 42


مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلاَ تَرُدَّهُ.

هذا هو المسيحي الذي يهتم بحاجات الاخرين مثل اهتمامه بحاجات اسرته ومتكل علي الله وليس المال وواثق ان الرب هو الذي يعول مستقبله ولكن ليس مطلوب منه ان يبيع كل ما يملك ويترك اسرته تحتاج الا لو كان هو ليس مسؤل عن اخرين فهو حر في هذه اللحظه ان يوزع كل شيئ علي الفقراء ويكرس نفسه للرب والرب يعوله مثل رهبان كثيرين

بمعني

انجيل متي 19

19: 16 و اذا واحد تقدم و قال له ايها المعلم الصالح اي صلاح اعمل لتكون لي الحياة الابدية

هذا الرجل يبحث عن الخلاص بطريقته وليس عن طريق الله بمعني انه يتخيل انه يستطيع ان يصل الي الحياه الابديه ببره الذاتي

وهو كما يشرح لنا لوقا البشير هو رئيس محمع لليهود او عضو في مجمع

19: 17 فقال له لماذا تدعوني صالحا ليس احد صالحا الا واحد و هو الله و لكن ان اردت ان تدخل الحياة فاحفظ الوصايا

وتعبير لماذا تدعوني صالحا شرحته سابقا في ملف

الرد علي لماذا تدعوني صالحا وهل هذا انكار لاهوت

ويقول المسيح ان اردت ان تدخل الحياة فاحفظ الوصايا وكلمة يحفظ يوناني جائت بمعني يلاحظ بتدقيق

G5083

τηρέω

tēreō

Thayer Definition:

1) to attend to carefully, take care of

1a) to guard

1b) metaphorically to keep, one in the state in which he is

1c) to observe

1d) to reserve: to undergo something

Part of Speech: verb

مع ملاحظة ان الرب يسوع يعرف ان هذا الانسان يحفظ الوصايا ولكن يقصد ان يفحص بتدقيق مفهوم الوصايا وليس حرفها

واول وصية في الوصايا العشر هي

سفر الخروج 20

20: 2 انا الرب الهك الذي اخرجك من ارض مصر من بيت العبودية

20: 3 لا يكن لك الهة اخرى امامي

والالهة ليست بالضرورة اوثان ولكن اي شيئ احبه اكثر من الرب واهمل الرب لاجله فهو مجازا جعل الهة اخري امام الرب مثل المال

إنجيل متى 6: 24


«لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ، لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ، أَوْ يُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ.

فمن بداية النقاش المسيح يكشف لهذا الشخص ما بداخله ولكن هو ضعيف البصير الروحية لان حب المال اعمي عينيه فهو يحفظ الوصيه ولكن لا يعرف روح الوصية



19: 18 قال له اية الوصايا فقال يسوع لا تقتل لا تزن لا تسرق لا تشهد بالزور

19: 19 اكرم اباك و امك و احب قريبك كنفسك

وهنا الشاب وجد الاجابه اسهل مما توقع فالمسيح يقول له فقط الوصايا العشرة

فقال بافتخار

19: 20 قال له الشاب هذه كلها حفظتها منذ حداثتي فماذا يعوزني بعد

وهنا اجاب الشاب بافتخار ان هذه الوصايا هو حفظها وتعبير حفظتها الذي استخدمه الشاب يعني ان حافظ عليها وحرسها

G5442

φυλάσσω

phulassō

Thayer Definition:

1) to guard

1a) to watch, keep watch

1b) to guard or watch, have an eye upon: lest he escape

1c) to guard a person (or thing) that he may remain safe

1c1) lest he suffer violence, be despoiled, etc. to protect

1c2) to protect one from a person or thing

1c3) to keep from being snatched away, preserve safe and unimpaired

1c4) to guard from being lost or perishing

1c5) to guard one’s self from a thing

1d) to guard, i.e. care for, take care not to violate

1d1) to observe

2) to observe for one’s self something to escape

2a) to avoid, shun flee from

2b) to guard for one’s self (i.e. for one’s safety’s sake) so as not to violate, i.e. to keep, observe (the precepts of the Mosaic law)

Part of Speech: verb

فهو تعبير مختلف فيه افتخار بالبر الذاتي انه لم يحفظ الوصايا فقط ولكن حافظ عليها فهو بار في عين نفسه

وهنا المسيح يكشف مرضه الروحي والعائق الذي يقف فق طريقه الي ملكوت السموات

19: 21 قال له يسوع ان اردت ان تكون كاملا فاذهب و بع املاكك و اعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء و تعال اتبعني

هنا يكلمه المسيح عن البر الحقيقي وهو محبة الله اكثر من محبة المال ومحبة ابناء الله من اخوة الرب اكثر من محبة النفس

ويقول له اتبعني بمعني أن الغنى يعطى للفقراء وللمحتاجين من ثروته دون خوف من المستقبل، فالله يدبر المستقبل، ولا يخاف مثلاً أن تضيع ثروته، فالله هو ضمان المستقبل، وليس الثروة.



19: 22 فلما سمع الشاب الكلمة مضى حزينا لانه كان ذا اموال كثيرة

وهنا انكشف الشاب وانه لا يحافظ علي اول وصية من وصايا الرب وهي محبة الرب فهو يحب المال اكثر من الرب ويعتمد علي الاموال

فالطبيعة البشرية بحكم التصاقها الشديد بمغريات هذا العالم، من العسير عليها جداً أن تترك العالم بإختيارها الطبيعي وتلتحق بالله والروحيات، ولكن بمساعدة نعمة الله تستطيع. هذا الشاب اراد أن يجمع بين حبه لله وحبه للمال ولكن محبة المال هي عداوة لله وأصل لكل الشرور (1تى 9:6-10). والعبادة يجب ان تكون لله وحده. وطالما هذا الشاب معلق بحب المال بهذه الصورة، فيستحيل عليه أن يحفظ الوصايا تماماً. وبخاصه ان أمواله هي التي تمتلكه وليس هو الذى يمتلكها

19: 23 فقال يسوع لتلاميذه الحق اقول لكم انه يعسر ان يدخل غني الى ملكوت السماوات

19: 24 و اقول لكم ايضا ان مرور جمل من ثقب ابرة ايسر من ان يدخل غني الى ملكوت الله

ثقب الإبرة هو باب صغير داخل باب سور أورشليم الكبير. فهم تعودوا على إغلاق أبواب أورشليم قبل الغروب، وحينما تأتى قافلة متأخرة لا يفتحون الباب الرئيسى، بل باب صغير في الباب الرئيسى. والجمل لا يستطيع أن يدخل من هذا الباب الصغير (ويسمى ثقب الإبرة) إلاّ بعد أن يناخ على ركبتيه (يركع على ركبتيه) وتُنْزَلْ كل حمولته ويُجَّرْ ويُدْفَعْ للداخل.وهكذا الغنى لا يدخل ملكوت السموات إلاّ لو تواضع وشعر أن كل أمواله هي بلا قيمة.

19: 25 فلما سمع تلاميذه بهتوا جدا قائلين اذا من يستطيع ان يخلص

لقد أدرك التلاميذ صعوبة الطريق بسبب إغراءات المال، وهم يعلمون أن الناس منكبين على المال لا يستطيعون أن يتخلوا عنه. واليهود كانوا يعتقدون ان لا شىء يفضل على الماديات. وبخاصه ان التلاميذ لم يكن حل عليهم الروح القدس بعد فلم يدركوا نعمة الرب وعطية الروح القدس بعد ولهذا بدا اليهم هذا الامر صعب اما بعد حلول الروح القدس فكان تنفيذ هذه الوصيه سهل جدا

وكان يبيعون اموالهم ويعيشوا في حياة الشركة

سفر اعمال الرسل 4

32 وَكَانَ لِجُمْهُورِ الَّذِينَ آمَنُوا قَلْبٌ وَاحِدٌ وَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِ لَهُ، بَلْ كَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا.
33
وَبِقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ كَانَ الرُّسُلُ يُؤَدُّونَ الشَّهَادَةَ بِقِيَامَةِ الرَّبِّ يَسُوعَ، وَنِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ كَانَتْ عَلَى جَمِيعِهِمْ،

34
إِذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ مُحْتَاجًا، لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ كَانُوا أَصْحَابَ حُقُول أَوْ بُيُوتٍ كَانُوا يَبِيعُونَهَا، وَيَأْتُونَ بِأَثْمَانِ الْمَبِيعَاتِ،

35
وَيَضَعُونَهَا عِنْدَ أَرْجُلِ الرُّسُلِ، فَكَانَ يُوزَّعُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ كَمَا يَكُونُ لَهُ احْتِيَاجٌ
.

فالمسيح يريد ان يعده ويعدهم ويوضح ان محبة المال من اكبر العوائق الي الحياة الابدية

19: 26 فنظر اليهم يسوع و قال لهم هذا عند الناس غير مستطاع و لكن عند الله كل شيء مستطاع

اي عندما يمتلي قلب الانسان بحب الرب يصبح هذا مستطاع عنده مثل الانبا انطونيوس وغيره من اباء الكنيسة

ملحوظه ان البشيرين مرقس ولوقا ذكروا ايضا القصه ومرقس البشير شرح اكثر فالرب ليس ضد الاغنياء فابراهيم واسحاق ويعقوب وغيرهم كانوا اغنياء جدا والرب باركهم بكثره ولكنهم كانتوا يعتمدوا علي الرب وليس علي المال

ولهذا يقول مرقس البشير

انجيل مرقس 10

10: 17 و فيما هو خارج الى الطريق ركض واحد و جثا له و ساله ايها المعلم الصالح ماذا اعمل لارث الحياة الابدية

10: 18 فقال له يسوع لماذا تدعوني صالحا ليس احد صالحا الا واحد و هو الله

10: 19 انت تعرف الوصايا لا تزن لا تقتل لا تسرق لا تشهد بالزور لا تسلب اكرم اباك و امك

10: 20 فاجاب و قال له يا معلم هذه كلها حفظتها منذ حداثتي

10: 21 فنظر اليه يسوع و احبه و قال له يعوزك شيء واحد اذهب بع كل ما لك و اعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء و تعال اتبعني حاملا الصليب

10: 22 فاغتم على القول و مضى حزينا لانه كان ذا اموال كثيرة

10: 23 فنظر يسوع حوله و قال لتلاميذه ما اعسر دخول ذوي الاموال الى ملكوت الله

10: 24 فتحير التلاميذ من كلامه فاجاب يسوع ايضا و قال لهم يا بني ما اعسر دخول المتكلين على الاموال الى ملكوت الله

فليس كل الاغنياء ولكن الاغنياء الذين يتكلون علي المال وليس علي الله ويحبون المال اكثر من الله ويخدمون المال اكثر من الرب

10: 25 مرور جمل من ثقب ابرة ايسر من ان يدخل غني الى ملكوت الله

10: 26 فبهتوا الى الغاية قائلين بعضهم لبعض فمن يستطيع ان يخلص

10: 27 فنظر اليهم يسوع و قال عند الناس غير مستطاع و لكن ليس عند الله لان كل شيء مستطاع عند الله



انجيل لوقا 18

18: 18 و ساله رئيس قائلا ايها المعلم الصالح ماذا اعمل لارث الحياة الابدية

18: 19 فقال له يسوع لماذا تدعوني صالحا ليس احد صالحا الا واحد و هو الله

18: 20 انت تعرف الوصايا لا تزن لا تقتل لا تسرق لا تشهد بالزور اكرم اباك و امك

18: 21 فقال هذه كلها حفظتها منذ حداثتي

18: 22 فلما سمع يسوع ذلك قال له يعوزك ايضا شيء بع كل ما لك و وزع على الفقراء فيكون لك كنز في السماء و تعال اتبعني

18: 23 فلما سمع ذلك حزن لانه كان غنيا جدا

18: 24 فلما راه يسوع قد حزن قال ما اعسر دخول ذوي الاموال الى ملكوت الله

18: 25 لان دخول جمل من ثقب ابرة ايسر من ان يدخل غني الى ملكوت الله

18: 26 فقال الذين سمعوا فمن يستطيع ان يخلص

18: 27 فقال غير المستطاع عند الناس مستطاع عند الله



فى الثلاثة أناجيل تأتى قصة ذلك الشاب الغنى وقول المسيح أن من العسير دخول الأغنياء إلى الملكوت، مباشرة بعد قصة مباركته للأطفال وقوله أن لمثل هؤلاء ملكوت السموات، فالأطفال في بساطتهم وعدم تعلقهم بالعالم يسهل دخولهم للملكوت، أماّ من تثقل بمحبة العالم فمثل هذا يصعب دخوله للملكوت. وبهذا فالإنجيل يعرض صورتين متناقضتين إحداهما للحياة والأخرى للموت ليختار كل إنسان بينهما

ليس معنى هذه القصة أن الفقراء سيدخلون الملكوت بلا نقاش، فهناك فقراء بلا قناعة، متذمرين، يلعنون الزمان الذي جعلهم فقراء هكذا، يشتهون المال ضماناً لمستقبلهم، غير شاكرين الله على ما أعطاهم، فهؤلاء والأغنياء هم وجهان لعملة واحدة. العُملة هي عدم الإتكال على الله.

واكرر مره ثانيه ما فهمه المشكك غير دقيق فليس بيع الاملاك شرط دخول الابديه ولكن الاتكال علي الرب هو شرط دخول الابدية ومحبة الرب اكثر من اي شيئ وبخاصه المال



المعني الروحي

من تفسير ابونا تادرس يعقوب واقوال الاباء

يقول القدّيس جيروم: [هذه هي ذروة الفضيلة الكاملة الرسوليّة أن يبيع الإنسان كل ما يملك ويوزِّعه على الفقراء (لو 18: 22)، متحرّرًا من كل عائق ليعبر إلى الممالك السماويّة مع المسيح[710]ٍٍٍ.] [خادم المسيح الكامل ليس له شيء بجانب المسيح[711].] [ترْجِم كلماته إلى عمل، فإنك إذ تتعرى تتبع الصليب حيث العرس، وتصعد سلّم يعقوب الذي يسهل صعوده لمن لا يحمل شيئًا[712].] كما يقول: [يَََعد الشيطان بمملكة وغنى ليُحطم الحياة، أمّا الرب فيَعدْ بالفقر ليحفظ الحياة[713].]

يقول القدّيس كبريانوس: [إن كان الكنز في السماء، فيكون القلب والعقل والمشاعر في السماء، ولا يستطيع العالم أن يغلب الإنسان الذي ليس فيه شيء يمكن أن يُغلب. إنك تستطيع أن تتبع الرب حرًا بلا قيود كما فعل الرسول - وكثيرون في أيامهم، الذين تركوا مالهم وأقرباءهم والتصقوا بالمسيح برباطات لا تنفك[714].]

يقول القدّيس أغسطينوس: [إن كانت لديهم الإرادة أن يرفعوا قلوبهم إلى فوق، فليدّخروا ما يحبّونه هناك. فإنهم وإن كانوا على الأرض بالجسد فليسكنوا بقلبهم مع المسيح. لقد ذهب رأس الكنيسة أمامهم، ليت قلب المسيحي أيضًا يسبقه إلى هناك... فإن كل مسيحي يذهب في القيامة إلى حيث ذهب قلبه الآن. لنذهب إلى هناك بذاك العضو (القلب) الذي يمكنه الآن أن يذهب. فإن إنساننا بكلّيته سيتبع قلبه ويذهب إلى حيث ذهب القلب... لنرسل أمتعتنا مقدّمًا إلى حيث نستعد للرحيل[715].]

كثيرون نَفَّذوا هذه الوصيّة بطريقة حرفيّة، فمن أجل الدخول إلى الكمال باعوا كل شيء وأعطوا الفقراء، ليكون السيِّد المسيح نفسه كنزهم. لكن فيما هم يبيعون بطريقة حرفيّة باعوا ما في القلب فلم يعد للعالم مكان فيه. فالبيع الخارجي يلزم أن يرافقه بيع داخلي وشراء، أي بيع من القلب مع اقتناء للسيّد المسيح ليملأ القلب، الذي سبق فأسره حب الغنى واهتمامات بالحياة.

هذا ما أكّده الآب موسى، قائلاً: [إننا نرى بعضًا ممن زهدوا أمور هذا العالم، ليس فقط الذهب والفضة، بل والممتلكات الضخمة يتضايقون ويضطربون من أجل سكِّينة أو قلم أو دبُّوس أو ريشة، بينما لو وجَّهوا أنظارهم نحو نقاوة القلب بلا شك ما كانوا يضطربون من أجل الأمور التافهة، فكما لا يبالون بالغنى العظيم، يتركون أيضًا كل شيء[716].]

ويقدّم لنا الكتاب المقدّس أبانا إبراهيم مثالاً حيًا للغني الذي باع من قلبه من أجل الرب، مع أنه لم يعش كفقير. ففي الظهيرة كان يترقَّب مجيء غريب يشاركه الطعام، ويطلب من زوجته أن تهيئ الطعام بيديها ولا تتركه لجاريتها وخَدَمها. إنه يعيش كمن لا يملك شيئًا، فقد باع كل شيء، ليس في القلب موضع للغنى أو الهمّ. يظهر ذلك بوضوح في أكثر من موقف، فعندما حدثت مخاصمة بين رعاة مواشيه ورعاة مواشي لوط في محبّة سأل ابن أخيه أن يختار الأرض التي تروق له دون أن يضع قلبه على موضع معيّن، قائلاً له: "لا تكن مخاصَمة بيني وبينك، وبين رعاتي ورعاتك، لأننا نحن أخَوان. أليست كل الأرض أمامك، اعتزل عنّي، إن ذهبت شمالاً فأنا يمينًا وإن يمينًا فأنا شمالاً" (تك 13: 8-9). وعندما أُنقذ لوط والملوك الخمسة والنساء وكل ممتلكاتهم في كسرة كدرلعومر، إذ أراد أن يترك ملك سدوم لإبراهيم الممتلكات مكتفيًا بأخذ النفوس، أصرّ إبراهيم ألاّ يأخذ خيطًا ولا شِراك نعْل، ولا من كل ما هو له (تك14: 23).

إذ نعود إلى الشاب نراه غير قادرٍ على تنفيذ الوصيّة وقد مضى حزينًا لأنه كان ذا أموال كثيرة. هنا وجّه السيِّد حديثه لتلاميذه: "الحق أقول لكم أنه يعسر أن يدخل غني إلى ملكوت السماوات. وأقول لكم أيضًا أن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله" [24]. لم يقل السيِّد "أنه يستحيل"، وإنما "يعسُر"، ومع هذا فإنه إذ بُهت التلاميذ جدًا قائلين: "إذًا من يستطيع أن يخلُص؟" نظر إليهم يسوع ربّما نظرة عتاب مملوءة ترفُّقًا، وقال لهم: "هذا عند الناس غير مستطاع، ولكن عند الله كل شيء مستطاع" [26]. إنه يعاتب تلاميذه الذين لم يُدركوا بعد أنه ليس شيء غير مستطاع لدي الله. حقًا إن الله قادر أن يعبُر بالجمل من ثقب إبرة، بتفريغ قلب الغَني من حب الغِنى وإلهاب قلبه بحب الكنز السماوي.

وللقدّيس جيروم تعليق جميل على ذلك، إذ يقول: [لكن ما هو مستحيل لدى البشر ممكن لدى الله" (مر 10: 27). هذا ما نتعلّمه من المشورة التي قدّمها الرسول لتيموثاوس: "أوْصِ الأغنياء في الدهر الحاضر أن لا يستكبروا ولا يُلقوا رجاءهم على غير يقينيّة الغِنى، بل على الله الحيّ الذي يمنحنا كل شيء بغنى للتمتّع، وأن يصنعوا صلاحًا، وأن يكونوا أغنياء في أعمال صالحة، وأن يكونوا أسخياء في العطاء، كرماء في التوزيع، مدّخرين لأنفسهم أساسًا حسنًا للمستقبل لكي يمسكوا بالحياة الحقيقيّة (الأبديّة)" (1 تي 6: 17-19). ها نحن نتعلّم كيف يمكن للجمل أن يعبُر من ثقب إبرة، وكيف أن حيوانًا بسنام على ظهره إذ يُلقي عنه أحماله يمكن أن يصير له جناحيّ حمامة (مز 55: 6)، يستريح في أغصان الشجرة التي نمت من حبّة الخردل (مت 13: 31-32) (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). وفي إشعياء نسمع عن الجِمال بكران مديان وعيفة كلها تأتي من شبا تحمل ذهبًا ولبانًا لمدينة الرب (إش 60: 6). على هذه الجِمال الرمزيّة أحضر التجَّار الإسماعيليّون (تك 37: 25) روائح وبخور وبلْسم الذي ينمو في جلعاد لشفاء الجروح (إر 8: 22) ولسعادتهم اشتروا يوسف وباعوه، فكان مخلّص العالم هو تجارتهم[717].]

يحذّر القدّيس أغسطينوس الفقراء لئلا يتّكلوا على فقرهم في ذاته كجواز لهم بالدخول إلى الملكوت، قائلاً: [ِاستمعوا أيها الفقراء إلى المسيح... من كان منكم يفتخر بفقره ليَحْذر من الكبرياء لئلا يسبقه الغَني بتواضعه. اِحذروا من عدم الشفقة لئلا يفوق عليكم الأغنياء بورعهم. اِحذروا من السُكر لئلا يفوق عليكم الأغنياء بوقارهم. إن كان ينبغي عليهم ألا يفتخروا بغناهم، فلا تفتخروا أنتم بفقركم[718].] وفي نفس المقال يحذِّر أيضًا الأغنياء قائلاً: [الكبرياء هو الحشرة الأولى للغِنى، إنه العُثْ المُفسد الذي يتعرّض للكل ويجعله ترابًا[719].] مرّة أخرى يحدّث الاثنين معًا فيقول: [أيها الأغنياء اُتركوا أموالكم، أيها الفقراء كُفُّوا عن السلب! أيها الأغنياء وزّعوا إيراداتكم، أيها الفقراء لجِّموا شهواتكم. استمعوا أيها الفقراء إلى الرسول نفسه: "وأمّا التقوى مع القناعة فهي تجارة عظيمة" (1 تي 6:6)... ليس لكم منزلاً مشتركًا مع الأغنياء، لكن تشاركونهم في السماء وفي النور. اطلبوا القناعة والكفاف ولا ترغبوا فيما هو أكثر[720].]



والمجد لله دائما