الاصحاح الرابع عشر من سفر الرؤيا عدد 12 ,13 صبر القديسين والأمانة للموت
تاريخ الإعداد:
الاصحاح الرابع عشر من سفر الرؤيا عدد 12 -13 صبر القديسين والأمانة للموت
د. غالي
12 هُنَا صَبْرُ الْقِدِّيسِينَ. هُنَا الَّذِينَ يَحْفَظُونَ وَصَايَا اللهِ وَإِيمَانَ يَسُوعَ. 13 وَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ قَائِلًا لِي: «اكْتُبْ: طُوبَى لِلأَمْوَاتِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ فِي الرَّبِّ مُنْذُ الآنَ». «نَعَمْ» يَقُولُ الرُّوحُ: «لِكَيْ يَسْتَرِيحُوا مِنْ أَتْعَابِهِمْ، وَأَعْمَالُهُمْ تَتْبَعُهُمْ».
كالعادة سأقسم التفسير إلى التعبيرات اللغوية ثم التفسيرات المختلفة لكل مقطع ثم تفسير العددين معًا ثم ربطهما بالسياق المباشر لرؤيا 14 وبقية سفر الرؤيا.
رؤيا 14: 12 هُنَا صَبْرُ الْقِدِّيسِينَ. هُنَا الَّذِينَ يَحْفَظُونَ وَصَايَا اللهِ وَإِيمَانَ يَسُوعَ.
النص اليوناني:
Ὧδε ἡ ὑπομονὴ τῶν ἁγίων ἐστίν, οἱ τηροῦντες τὰς ἐντολὰς τοῦ θεοῦ καὶ τὴν πίστιν Ἰησοῦ.
وترجمة أقرب إلى الحرفية: «هنا هو صبر القديسين، الذين يحفظون وصايا الله وإيمان يسوع.» والعدد قصير، لكنه مهم؛ لأنه يمثل الانتقال من تحذير الدينونة في 14: 9–11 إلى وصف موقف المؤمنين في وسط هذه الأزمة وهذا الاضطهاد الشديد.
هنا صبر القديسين Ὧδε ἡ ὑπομονὴ τῶν ἁγίων
هنا Ὧδε — hōde تعني: هنا، في هذا الموضع، في هذه الحالة. والكلمة في بداية العدد لها أهمية. فبعد أن وصف معلمنا يوحنا: عبادة الوحش، صورة الوحش، سمة الوحش، غضب الله، النار والكبريت، عدم الراحة، يقول فجأة: هنا صبر القديسين. أي أن الضغط السابق هو بالضبط الموقف الذي يظهر فيه صبر المؤمنين. فكأن معلمنا يوحنا يقول، في هذه الظروف الصعبة، هنا تحديدًا يظهر صبر القديسين. الاضطهاد سيظهر من فعلا هو قديس يتحمل ومن هو كان يتظاهر ولكن معدنه ليس نقي. ولهذا لا ينبغي فصل العدد 12 عن 9–11.
صبر ὑπομονή — hypomonē هذه كلمة مهمة في سفر الرؤيا. يمكن ترجمتها: صبر ثبات احتمال مثابرة endurance steadfastness وهي ليست مجرد الانتظار السلبي بل تحمل شيء كضغط. فالكلمة تتكون لغويًا من:ὑπό = تحت وكلمةμένω = مينو أبقى/أظل. ومن ثم تحمل فكرة البقاء تحت الضغط دون التخلي عن الموقف. وهذا مناسب جدًا لسياق رؤيا 13–14. فالقديسون ليسوا في ظروف مريحة، وإنما تحت ضغط شديد من اضطهاد الوحش لهم. ولا يعرفون أن يبيعون ولا يشترون وظروفهم المعيشية صعبة جدًا ولكن متحملين كل هذا لتمسكهم بالرب.
لاحظ أن معلمنا يوحنا لا يقول: هنا يحتاج القديسون إلى الصبر. بل: هنا صبر القديسين. فالصبر صفة موجودة بالفعل واظهرها الاضطهاد. أي إن الصبر يصبح علامة مميزة لهم. وهذه العبارة تشبه استخدامًا سابقًا في سفر الرؤيا. في رؤيا 13: 10، بعد الحديث عن اضطهاد القديسين، نجد: هنا صبر وإيمان القديسين. وفي رؤيا 14: 12 نجد: هنا صبر القديسين. إذن هناك رابط لغوي مباشر بين 13: 10 و14: 12.
القديسين τῶν ἁγίων — tōn hagiōn هي من مفرد قديس ἅγιος (hagios) = مقدس، قديس. وفي صيغة الجمع هنا: القديسين. وفي سفر الرؤيا لا تعني الكلمة فئة خارقة للطبيعة، بل تشير إلى شعب الله المكرس له كصفة له. وفي سياق الإصحاح، هؤلاء هم الذين يقفون في الجانب المعاكس للوحش واتباعه. لدينا إذن: رؤيا 14: 9–11 أتباع الوحش. رؤيا 14: 12 القديسون. وهذا التباين مقصود.
الذين يحفظون οἱ τηροῦντες — hoi tērountes من: τηρέω (tēreō) ومعناه: يحفظ يصون يلتزم يراعي يتمسك بشيء. وهنا ليس المعنى مجرد «يعرفون الوصايا»، بل يحافظون عليها ويلتزمون بها رغم أنهم تحت ضغط شديد. والفعل في صيغة اسم الفاعل يشير إلى ممارسة مستمرة. إذن: القديسون يُعرفون بما يحفظونه ومستمرين عليه. وهذا يتوافق مع الرسالة في سفر الرؤيا كله عن التمسك بوصايا الله للوصول للملكوت.
وصايا الله τὰς ἐντολὰς τοῦ θεοῦ
وصايا ἐντολή — entolē تعني: وصية، أمر، توجيه. والجمع:ἐντολάς = وصايا.
أما: الله τοῦ θεοῦ فهي جاءت معرفة: «الله». فلم يكتفي العدد بذكر بتعبير يحفظون الوصايا بل أكد انها وصايا الله إذن مصدر الوصايا واضح: وصايا الله. وهذا يضع طاعة الله في مقابل طاعة الوحش.لاحظ المقابلة: الوحش يريد أن يُطاع وان ينفذون أوامره ويُعبد. والمقابل الله له وصايا يجب أن تُحفظ. ولهذا فالعدد لا يقدم «الصبر» كصفة نفسية فقط؛ بل الصبر يظهر من خلال الاستمرار في طاعة وصايا الله تحت الضغط.
وإيمان يسوع καὶ τὴν πίστιν Ἰησοῦ وهذه ليست تكرار بل عبارة لها أهمية من الناحية اللغوية.
إيمان πίστις — pistis يمكن أن تعني: إيمان ثقة أمانة ولاء
أما يسوع: Ἰησοῦ فهي في صيغة المضاف إليه، ويمكن أن تفهم بعدة طرق. ولهذا فسرها المفسرون بأكثر من طريقة حسب معناها اللغوي. فهل «إيمان يسوع» أم «الإيمان بيسوع»؟
النص اليوناني لا يقول حرفيًا: πίστιν εἰς Ἰησοῦν أي «الإيمان بيسوع». بل يقول: τὴν πίστιν Ἰησοῦ إيمان يسوع وهذا يمكن أن يكون ما يسمى genitive construction. تركيب الإضافة. لكن هذا قد يسبب مشكلة في الترجمة والفهم، لأن العربية «إيمان يسوع» قد يفهمها القارئ بمعنى أن يسوع نفسه كان يؤمن بشخص آخر، وهو ليس المقصود في هذا السياق. لذلك ظهرت ترجمتان رئيسيتان.
الأول: «الإيمان بيسوع» أي أن المقصود: إيمان المؤمنين بيسوع المسيح. وهذا هو الفهم الأكثر شيوعًا في كثير من الترجمات. وبذلك تصبح العبارة: «الذين يحفظون وصايا الله ويؤمنون بيسوع.» وهذا متوافق جدًا مع الرسالة المسيحية العامة في سفر الرؤيا.
الثاني: «أمانة يسوع» يمكن أن تعني العبارة: أمانة يسوع / أمانة المسيح. أي أن القديسين يتمسكون بـ أمانة يسوع وثباته، أو يشتركون في أمانته. وصبره وهذا التفسير يستند إلى حقيقة أن πίστις يمكن أن تعني «faithfulness» وليس فقط «faith».
الثالث: «إيمان يسوع» بالمعنى الأكثر حرفية يمكن أن يقرأها المفسر: «إيمان يسوع» أي الإيمان الذي يرتبط بيسوع أو يتمحور حوله أو اعلان القديس عن ايمانه بيسوع. لذلك «إيمان بيسوع» أي «أمانة ليسوع». أي الأمانة في التمسك بالإيمان بالرب يسوع. ولكن لغويا تحمل المعنيين.
أي تفسير هو الأقرب في السياق؟
السياق يرجح بقوة أن العبارة تتحدث عن ولاء المؤمنين ليسوع وتمسكهم به. فتعبير إيمان يسوع أي الإيمان بالرب يسوع المسيح. والسبب هو أن العدد 12 يقارن بين جماعتين: الذين يتبعون الوحش مقابل: الذين يحفظون وصايا الله ويتمسكون بيسوع. لذلك يمكن فهم πίστις Ἰησοῦ باعتبارها:
الإيمان بيسوع وما يقتضيه من أمانة وولاء له. وهذا يفسر لماذا تأتي العبارة في سياق الاضطهاد. وبخاصة نحن في زمن الخداع الشيطاني ولكن أصبح مرفوض أسم يسوع في أي مكان حكومي أو موقع حكومي حتى في الدول التي تلقب مسيحية. فكم سيكون الحال عندما يبدا الاضطهاد الشديد؟ بالطبع يسكون ذكر أسم الرب يسوع ممنوع تماما في وقت تملك الوحش وسيطرته. فنحن في زمن التضليل ورغم هذا يرفض اعلان الشخص ايمانه بالرب يسوع او الكتاب المقدس او الاقتباس منه ولكن متى بدأ الاضطهاد قريبا فهذا سيكون بصورة أبشع بكثير.
هل يوجد تناقض بين «وصايا الله» و«الإيمان بيسوع»؟
لا. بل معلمنا يوحنا يجمع الاثنين عمدًا مؤكدا كعادته أن الرب يسوع المسيح هو الله فلهذا ساوى اسم يسوع باسم الله عندما جمع وصايا الله + الإيمان بيسوع. بدل من ان يقول وصايا الله والايمان بالله او وصايا يسوع والإيمان بيسوع. فهذا التعبير يؤكد أن يسوع هو الله. وأيضا الامر لا يكون أخلاقي بسماع الوصايا فقط بل اعلان انه يؤمن بالرب يسوع ربا وخالقا ويرفض الوحش وعبادته. فالمؤمن لا يواجه الوحش بمجرد الاعتقاد الذهني، ولا بمجرد الأعمال الأخلاقية بمعزل عن المسيح. بل: طاعة لله + أمانة للمسيح بإعلان ايمانه به "32 فَكُلُّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِي قُدَّامَ النَّاسِ أَعْتَرِفُ أَنَا أَيْضًا بِهِ قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، 33 وَلكِنْ مَنْ يُنْكِرُنِي قُدَّامَ النَّاسِ أُنْكِرُهُ أَنَا أَيْضًا قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ." (متى 10: 32-33). وهذا الجمع مهم جدًا في سفر الرؤيا.
ولهذا يمكن تلخيصها في ثلاثة أمور متكاملة:
بعد أخلاقي: «يحفظون وصايا الله» تعني الالتزام الأخلاقي والروحي بأوامر الله.ويستمرون في اعلان ايمانهم بالرب يسوع.
بعد أخروي: على المؤمنين أن يثبتون حتى النهاية في زمن الاضطهاد النهائي.
بعد شامل: الصبر هنا ليس مجرد تحمل الألم، بل الثبات في عبادة الله وإعلان إيمانهم بالرب يسوع وعدم التحول إلى عبادة أخر لا الان ولا في زمن الوحش. وهذا الأخير هو الأكثر انسجامًا مع سياق 13–14.
رؤيا 14: 13 وَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ قَائِلًا لِي: «اكْتُبْ: طُوبَى لِلأَمْوَاتِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ فِي الرَّبِّ مُنْذُ الآنَ». «نَعَمْ» يَقُولُ الرُّوحُ: «لِكَيْ يَسْتَرِيحُوا مِنْ أَتْعَابِهِمْ، وَأَعْمَالُهُمْ تَتْبَعُهُمْ».
النص اليوناني:
Καὶ ἤκουσα φωνῆς ἐκ τοῦ οὐρανοῦ λεγούσης· Γράψον· Μακάριοι οἱ νεκροὶ οἱ ἐν κυρίῳ ἀποθνῄσκοντες ἀπάρτι. Ναί, λέγει τὸ πνεῦμα, ἵνα ἀναπαύσωνται ἐκ τῶν κόπων αὐτῶν, τὰ γὰρ ἔργα αὐτῶν ἀκολουθεῖ μετ’ αὐτῶν.
وترجمة لفظية: «وسمعت صوتًا من السماء يقول: اكتب: طوبى للأموات الذين يموتون في الرب منذ الآن. نعم، يقول الروح، لكي يستريحوا من أتعابهم، لأن أعمالهم تتبع معهم.»
وهذا العدد يمثل تحولًا: من التحذير في 14: 9–11 إلى التعزية في 14: 13 حتى لو وصل الأمر للموت والاستشهاد.
وسمعت صوتًا من السماء ἤκουσα φωνῆς ἐκ τοῦ οὐρανοῦ
هذه صيغة مألوفة في سفر الرؤيا. السماء تتدخل لتفسير معنى الأحداث الأرضية. وهنا يأتي الصوت السماوي مباشرة بعد الحديث عن: عقاب أتباع الوحش. فيقدم تعزية للمؤمنين. والمتكلم هنا من السماء هو الرب يسوع المسيح لأنه يقول ليوحنا اكتب وهذا اللفظ تكرر 10 مرات في أول ثلاث اصحاحات من الرب يسوع ليوحنا. فكأن السماء تقول: لا تنظر فقط إلى ما سيحدث للذين يتبعون الوحش؛ انظر أيضًا إلى مصير الذين يموتون في الرب.
اكتب Γράψον — Grapson أمر من:γράφω = يكتب. وهذا معتاد، فيوحنا كثيرًا ما يتلقى أوامر بالكتابة. لكن هنا الكتابة لها وظيفة خاصة: حفظ وعد التعزية للمؤمنين. وهذا يجعل العدد 13 ليس مجرد تعليق عابر، بل إعلانًا سماويًا رسميًا للتعزية.
طوبى Μακάριοι — Makarioi كلمة له أهمية في الكتاب المقدس. تعني: طوبى أي هم مطوبون مباركون سعداء من منظور الله في حالة بركة أمام الله. وهي نفس الكلمة المستخدمة في التطويبات في العهد الجديد. وفي سفر الرؤيا نجد سلسلة من «التطويبات» أو μακαρισμοί. مثل:
رؤيا 1: 3 — «طوبى للذي يقرأ...»
رؤيا 16: 15 — «طوبى لمن يسهر...»
رؤيا 19: 9 — «طوبى للمدعوين...»
رؤيا 20: 6 — «طوبى ومقدس من له نصيب في القيامة الأولى»
رؤيا 22: 7، 14.طوبى للأموات
إذن رؤيا 14: 13 جزء من سلسلة تطويبات في السفر.
للأموات οἱ νεκροί — hoi nekroi أي: الأموات عكس أحياء. وهنا لا يتحدث يوحنا عن الموت بصورة مجردة، بل يحدد نوعًا معينًا من الأموات: الذين يموتون في الرب. وهذا مهم. الموت نفسه ليس هو سبب التطويب، بل الموت في الرب.
الذين يموتون في الرب οἱ ἐν κυρίῳ ἀποθνῄσκοντες
يموت ἀποθνῄσκω = يموت. وهي صيغة اسم فاعل: الذين يموتون.
في الرب ἐν κυρίῳ حرفيًا: «في الرب». والرب كيريوس لقب الرب يسوع المسيح. وهذه عبارة استخدمها كثيرا معلنا بولس الرسول وهذا يوضح إنها معروفة في العهد الجديد. في الرب تعني الاتحاد بالمسيح وأنتمي إليه وأعيش في علاقة معه وأوجد فيه. وفي سياق رؤيا 14، يمكن أن يكون لها معنى إضافي مهم جدًا: يموتون وهم متمسكون بالرب، لا بالوحش. وهذا يجعلها مقابلة واضحة مع 14: 9–11.
منذ الآن ἀπάρτι — aparti تعني: من الآن فصاعدًا، ابتداءً من الآن. وهنا توجد نقطة تفسيرية مثيرة للاهتمام. لماذا يقول منذ الآن؟ هناك تفسيران رئيسيان.
التفسير الأول: «من الآن» في مقابل الموت الذي سيحدث في المرحلة النهائية أي أن المؤمن الذي يموت من الآن فصاعدًا، حتى قرب هذه الضيقة، لا ينبغي أن يُنظر إليه كخاسر؛ بل هو مبارك لم يعيش ليتألم في الضيقة.
التفسير الثاني: من هذا الوقت في تاريخ الرؤية. أي ابتداءً من المرحلة التي يدخل فيها شعب الله زمن الاضطهاد، فإن الموت في الرب يصبح موضع طوبى خاصة. أي اكليل مميز لتحمله الاضطهاد حتى الموت وكأنه انتصار. وهذا قد يناسب السياق أكثر، لأن الوحش قد يجعل الموت يبدو وكأنه هزيمة. لكن الصوت السماوي يقلب الصورة: الموت في الرب ليس هزيمة؛ إنه طوبى.
نعم، يقول الروح Ναί, λέγει τὸ πνεῦμα
هذه العبارة مكمل. فالصوت السماوي يقول: «طوبى للأموات...» ثم يأتي الروح ويؤكد:
نعم Ναί = نعم، حقًا، بالتأكيد. أي أن الروح القدس يصادق على الإعلان السماوي. وهذا يعطي العبارة قوة تأكيدية: ليس الموت في الرب خسارة؛ نعم، إنه طوبى.
لكي يستريحوا ἵνα ἀναπαύσωνται من لفظ: ἀναπαύω — anapauō = يريح، يعطي راحة. وهنا صيغة تشير إلى الغاية: لكي يستريحوا. وهذه الكلمة ذات أهمية خاصة لأنها تأتي في مقابل: "ولا تكون لهم راحة نهارًا وليلًا" في رؤ 14: 11. وهنا توجد مقابلة جميلة في المقطع كله.
أتباع الوحش 14: 11 رغم انهم يبدوا انهم انتصروا لكن لا راحة. الذين يموتون في الرب 14: 13 رغم يبدوا منهزمين لكنهم يستريحون. هذه ليست مصادفة. فمعلمنا يوحنا يضع المصيرين جنبًا إلى جنب.
من أتعابهم ἐκ τῶν κόπων αὐτῶν
كلمة تعب κόπος — kopos = تعب، مشقة، عناء، عمل شاق. لكنها في سياق السفر لا تعني التعب الجسدي فقط. بل هي في الكتاب المقدس تحمل معنى: الاضطهاد المشقة الجهاد الخدمة احتمال الألم من أجل الإيمان. وهذا يرتبط مباشرة بـ «صبر القديسين» في العدد 12. فالترتيب:
الصبر ثم الموت في الرب الراحة.
لأن أعمالهم تتبعهم τὰ γὰρ ἔργα αὐτῶν ἀκολουθεῖ μετ’ αὐτῶν
وهذه مثيرة للاهتمام.
أعمالهم τὰ ἔργα = الأعمال.
تتبعهم ἀκολουθεῖ من ἀκολουθέω = يتبع يتلو.
والضمير μετ’ αὐτῶν = معهم.
لفظيا تقريبًا: «لأن أعمالهم تتبع معهم.» أي أن الموت يختم على ما عاشه المؤمن وخدم به وتعب محبته وجهاده. وهذا يشير لأهمية الأعمال وأن الرب لا ينسى تعب أحد.
التفسير
المعنى العام هو تعزية للمؤمنين الذين يموتون. هذا هو المعنى الأساسي أن الموت لا يمثل النهاية بالنسبة لمن يموت في الرب. بل راحة فلهذا يطوب «طوبى».
ولكن أيضًا العدد مرتبط بالاضطهاد في سياق رؤيا 13–14، يرى كثير من المفسرين أن العدد يتحدث بصورة خاصة عن المؤمنين الذين يموتون بسبب أمانتهم للمسيح وقت الضيقة العظمى. وهذا يتناسب مع رؤيا 13: 7، حيث يحارب الوحش القديسين. وبالتالي: الموت الناتج عن رفض عبادة الوحش لا ينبغي أن يُفهم كهزيمة. بل يصبح شهادة على الأمانة. فيربط العدد بالمكافأة النهائية في نهاية التاريخ. المؤمن يتعب: «من أتعابهم» لكن بعد الموت: «يستريحون» ثم تأتي مباشرة مشاهد الحصاد والدينونة في 14: 14–20.
لماذا «منذ الآن»؟ هذه العبارة تستحق وقفة. فيمكن فهمها في ضوء السياق على أنها تعني: حتى في المرحلة التي يشتد فيها اضطهاد الوحش، الموت في الرب لا ينبغي أن يخيف المؤمن. بل العكس طوبى للأموات الذين يموتون في الرب. وقد يكون المقصود أيضًا أن هذا الإعلان يبدأ تطبيقه من هذه اللحظة فصاعدًا؛ أي أن كل من يموت في الرب يدخل في هذه البركة. وهناك ملاحظة مهمة: «منذ الآن» لا تعني أن الأموات قبل هذه اللحظة لم يكونوا مباركين؛ بل تحدد المرحلة التي يخاطبها الإعلان.
لماذا يتدخل «الروح» ويقول «نعم»؟ التركيب: «نعم، يقول الروح» يعطي الإعلان ثلاث مراحل: صوت من السماء اكتب: ثم طوبى للأموات... الروح: نعم. أي أن السماء والروح يؤكدان الوعد. والهدف هو إزالة أي شك لدى المؤمن الذي قد يرى ان المؤمن قد مات، بينما الوحش ما زال حيًا ومسيطرًا. الجواب السماوي، لا. الذي مات في الرب هو المبارك.
معنى أعمالهم تتبعهم. هذا يوضح أهمية الأعمال. فالخلاص ليس بالأعمال وحدها فالعدد لا يقول: إنهم خلصوا بسبب أعمالهم. بل يقول: أعمالهم تتبعهم. أي إيمانهم العامل والأعمال تكمل الإيمان وأي أن الله لا ينسى أمانتهم وخدمتهم وصبرهم وسيكافئهم على أعمالهم. وهذا يتفق مع استخدام «الأعمال» في سفر الرؤيا. في رؤيا 2–3، المسيح يعرف أعمال الكنائس: «أنا عارف أعمالك...» وفي رؤيا 22: 12: «ها أنا آتي سريعًا وأجرتي معي لأجازي كل واحد كما يكون عمله.» إذن الأعمال هنا يمكن أن تشير إلى ثمر الحياة المؤمنة وأمانتها، لا إلى تعليم خلاص الإنسان بأعماله منفصلة عن الإيمان ونعمة الله. وهذا يبرز أهمية الأعمال وليس الإيمان فقط. فالأعمال كدليل على حقيقة الإيمان. ليست الأعمال بديلًا عن الإيمان ولا إيمان بدون أعمال، فالأعمال تظهر أن الإيمان حقيقي "لكِنْ يَقُولُ قَائِلٌ: «أَنْتَ لَكَ إِيمَانٌ، وَأَنَا لِي أَعْمَالٌ» أَرِنِي إِيمَانَكَ بِدُونِ أَعْمَالِكَ، وَأَنَا أُرِيكَ بِأَعْمَالِي إِيمَانِي." (يعقوب 2: 18). وهذا التفسير ينسجم جيدًا مع الجمع في 14: 12: وصايا الله + إيمان يسوع. ثم 14: 13: أعمالهم تتبعهم. أي أن الصبر والإيمان والأمانة والطاعة والأعمال تظهر في وحدة واحدة.
التفسير العام للعددين 12 و13 معًا
هنا تظهر وحدة رائعة: العدد 12 يصف كيف يعيش المؤمن: صبر حفظ وصايا الله إيمان/أمانة للرب يسوع المسيح له كل المجد.
العدد 13 يصف ماذا يحدث للمؤمن عندما يموت: طوبى راحة أعماله تتبعه للدينونة.
إذن: العدد 12 = الأمانة في الحياة. العدد 13 = البركة بعد الموت.
فلماذا يأتي «الموت» بعد «الصبر»؟ هذا ترتيب مهم. العدد 12 لا يقول: «هنا صبر القديسين، ولذلك لن يموتوا.» بل يوضح أن الصبر حتى الموت وصبرهم وتمسكهم بالإيمان قد يقودهم للاستشهاد، فالعدد 13 يقول: «طوبى للأموات الذين يموتون في الرب». أي أن الوعد المسيحي في هذا السياق ليس بالضرورة النجاة من الموت الجسدي، بل الأمانة حتى الموت والرجاء فيما بعد الموت. وهذا يفسر رؤيا 2: 10: «كن أمينًا إلى الموت فسأعطيك إكليل الحياة.» وهذه العبارة تتطابق مع 14: 12–13.
وهذا العدد يربط أجزاء كثيرة في سفر الرؤيا معا ويقدم تأكيد لهم.
ارتباط العددين بالملاك الثالث
يمكننا الآن أن نفهم بنية رؤيا 14: 9–13 بصورة أوضح:
14: 9 تحذير: «إن كان أحد يسجد للوحش...» 14: 10–11 العاقبة: غضب الله ودينونته. 14: 12 الموقف المطلوب من القديسين: «هنا صبر القديسين». 14: 13 التشجيع: «طوبى للأموات الذين يموتون في الرب». إذن الترتيب هو: تحذير دينونة صبر تعزية. وهذه وهذا وعد معزي.
العلاقة مع 14: 9–11 هذه مهمة لفهم المقطع. فلدينا: أتباع الوحش في رؤيا 13 ثم 14: 9–11 يسجدون للوحش. يسجدون لصورته. يقبلون سمته. يشربون من غضب الله. لا راحة لهم.
أتباع الحمل 14: 12–13 يصبرون. يحفظون وصايا الله. يتمسكون بالرب يسوع. يموتون في الرب. يستريحون. أعمالهم تتبعهم.
لاحظ التباين:
|
أتباع الوحش |
أتباع الحمل |
|
السجود للوحش |
الإيمان بيسوع |
|
قبول السمة |
حفظ وصايا الله |
|
غضب الله |
طوبى |
|
لا راحة |
راحة |
|
دينونة |
مكافأة |
|
سمة الوحش |
اسم الله |
|
الوحش |
الحمل |
إذن العددان 12–13 ليسا موضوعًا جديدًا؛ إنهما الجواب على 14: 9–11.
الصورة الكاملة لرؤيا 14
إذا قسمنا الإصحاح إلى وحدات: 14: 1–5 الحمل والـ144,000. 14: 6–7 الإنجيل الأبدي والدعوة إلى عبادة الله. 14: 8 سقوط بابل. 14: 9-11 تحذير من عبادة الوحش ودينونته.14: 12- 13 صبر القديسين وطوبى الموتى في الرب. 14: 14- 20 حصاد الأرض ومعصرة غضب الله. فتصبح 12–13 نقطة معزية وسط سلسلة من الإعلانات عن الدينونة. الإصحاح لا يريد فقط أن يخبرنا: ماذا سيحدث للشر؟ بل يريد أن يخبر المؤمن أيضًا: كيف يعيش وسط هذه الأحداث؟ وماذا ينتظره إذا اضطهد ومات أمينًا؟ والجواب: الصبر الآن، والراحة الأبدية بعد ذلك.
العلاقة مع رؤيا 13: 10
وهذه مكملة للسابق. رؤيا 13: 10 تنتهي تقريبًا بفكرة: «هنا صبر وإيمان القديسين.» ثم رؤيا 14: 12: «هنا صبر القديسين...» إذن لدينا تكرار متعمد. في الإصحاح 13: الوحش يضطهد القديسين. في الإصحاح 14: الملاك يحذر أتباع الوحش. ثم: القديسون يصبرون.
لهذا رؤيا 14: 12 هو نوع من التفسير الروحي لما يحدث في 13.
العلاقة ما بعد هذا الجزء؟ أي ماذا يحدث بعد العدد 13؟
وهنا تظهر أهمية المقطع أكثر. بعد أن يقول: «طوبى للأموات الذين يموتون في الرب...» ينتقل معلمنا يوحنا فورًا إلى: حصاد الأرض (14-16) ثم: معصرة غضب الله (17–20). إذن 14: 12–13 يمثلان الفاصل بين رسالتي الدينونة والرجاء قبل الدخول في مشهد الحصاد. كأن معلمنا يوحنا يريد أن يقول: لا تخافوا من الضيقة العظمى التي ستأتي على العالم، ولا من الموت الذي قد يصيب القديسين؛ لأن الذين يموتون في الرب هم مباركون.
العلاقة مع رؤيا 6: 9–11
في رؤيا 6 نرى نفوس الذين قُتلوا من أجل كلمة الله وشهادتهم. ويُقال لهم أن يستريحوا قليلًا. وهناك أيضًا موضوع الموت بسبب الشهادة. رؤيا 14: 13 توسع هذا المفهوم: «طوبى للأموات الذين يموتون في الرب». إذن هناك نمط في سفر الرؤيا: الشهادة ثم الموت ثم الانتظار ثم الراحة والدينونة النهائية.
العلاقة مع رؤيا 7
في رؤيا 7: 14 نجد جماعة أتت: «من الضيقة العظيمة». ثم: «لا يجوعون بعد ولا يعطشون...» والله: «يمسح كل دمعة من عيونهم». وفي 14: 13: «يستريحوا من أتعابهم». إذن يوجد موضوع مشترك: المعاناة الحالية تقود للراحة الأبدية. بل يوضح لماذا سيصعدون بدموع كثيرة؟ هي بسبب الألآم. ولو كانوا مستريحين فأي دموع سيمسحها المسيح؟ وان كانوا مستريحين فما حاجة التعزية؟
العلاقة مع رؤيا 12: 11:
في رؤيا 12: 11 يقال عن المؤمنين إنهم: «غلبوه بدم الخروف وبكلمة شهادتهم، ولم يحبوا حياتهم حتى الموت». وهذا يتوافق بصورة قوية جدًا مع 14: 12–13. القديس الحقيقي لا يجعل المحافظة على الحياة الجسدية أهم من الأمانة للمسيح. ولذلك: الموت في الرب لا يعني الهزيمة. بل هو جزء من طريق الانتصار.
العلاقة مع رؤيا 20: 4
هذه العلاقة مهمة. في رؤيا 20: 4 نرى الذين: « قُتِلُوا من أجل شهادة يسوع ومن أجل كلمة الله، والذين لم يسجدوا للوحش ولا لصورته ولم يقبلوا سمته...» وهنا نجد تقريبًا نفس عناصر رؤيا 14: 12–13: رؤيا 14 لا يسجدون للوحش يموتون في الرب طوبى راحة.رؤيا 20 لم يسجدوا للوحش لم يقبلوا سمته قتلوا ثم ملكوا. وهذا من اهداف سفر الرؤيا وهو توضيح القتل الذي سيقوم به الوحش ضد المؤمنين ولكن ان هذا انتصار لهم.
العلاقة مع رؤيا 2–3
في الرسائل إلى الكنائس السبع نجد وعدًا متكررًا لمن: «يغلب». والغلبة في سفر الرؤيا ليست بالضرورة انتصارًا عسكريًا. بل قد تعني: الأمانة حتى الموت. وهذا ينسجم مع 14: 12–13. فالذي يبدو في نظر العالم خاسرًا لأنه لم يخضع للوحش فانهزم وقتل، يقدمه سفر الرؤيا باعتباره غالبًا.
العلاقة مع رؤيا 21–22
في نهاية السفر نجد الصورة النهائية: لا موت. لا حزن. لا صراخ. لا وجع. الله يسكن مع شعبه. شعب الله يملك إلى أبد الآبدين. وهكذا تصبح: «يستريحوا من أتعابهم» في 14: 13 بداية مبكرة للرجاء الذي سيظهر بصورة كاملة في الإصحاحات 21–22.
فالفكرة المقصودة مرة أخرى هي:
رؤيا 14: 12 تقول للمؤمن: في قلب الاضطهاد لا تجعل الخوف من الوحش يجعلك تتخلى عن الله. ورؤيا 14: 13 تقول له: حتى إن أدى هذا الثبات إلى الموت، فالموت في الرب ليس هزيمة، بل طوبى، والراحة تنتظر المؤمن، وأعمال أمانته لا تضيع. ولهذا «هنا صبر القديسين»؛ هي الإجابة على التحذير من السجود للوحش. و«طوبى للأموات الذين يموتون في الرب» هي التعزية التي تأتي مباشرة بعد ذكر احتمال أن تكون أمانة المؤمن مكلفة حتى حياته نفسها.
كما أن رؤيا 20: 4 تعطي تأكيدًا قويًا لهذا الفهم، عندما تصف الذين «لم يسجدوا للوحش ولا لصورته ولم يقبلوا سمته» ثم تتحدث عن ملكهم مع المسيح. وبذلك يبدأ في 14: 12–13 ما سيظهر بصورة أوضح في 20: 4: رفض الوحش، الأمانة للمسيح، الموت أو المعاناة، ثم الانتصار والحياة مع المسيح. ومن هنا يمكن اختصار رسالة العددين في أربع كلمات: الثبات الآن الموت في الرب الراحة والمكافأة.
البعد اللاهوتي للعددين
رؤيا 14: 12–13 تقدم انقلابًا في مفهوم: النصر والهزيمة.
من منظور العالم: الذي يرفض الوحش ويخسر قدرته على الشراء والبيع وربما حياته ويقتل في نظر العالم خاسر. لكن من منظور السماء: هو الصابر، وهو الذي يحفظ وصايا الله، وهو الذي يموت في الرب، وهو المبارك، وأعماله تتبعه للملكوت.
وفي المقابل: من يبدو أنه انتصر لأنه خضع للوحش واحتفظ بحياته ومكانته الاقتصادية، يواجه دينونة الله ويخسر أبديًا. وهذه الفكرة مركزية في سفر الرؤيا. أرجوا ان نتذكر ذلك وقت الاضطهاد.
