الاصحاح الرابع عشر من سفر الرؤيا عدد 9 و11 وهل العذاب أبدي؟
تاريخ الإعداد:
الاصحاح الرابع عشر من سفر الرؤيا عدد 9 -11 وهل العذاب أبدي
د. غالي
17 نوفمبر 2026
9 ثُمَّ تَبِعَهُمَا مَلاَكٌ ثَالِثٌ قَائِلًا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَسْجُدُ لِلْوَحْشِ وَلِصُورَتِهِ، وَيَقْبَلُ سِمَتَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ أَوْ عَلَى يَدِهِ، 10 فَهُوَ أَيْضًا سَيَشْرَبُ مِنْ خَمْرِ غَضَبِ اللهِ، الْمَصْبُوبِ صِرْفًا فِي كَأْسِ غَضَبِهِ، وَيُعَذَّبُ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ أَمَامَ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ وَأَمَامَ الْخَرُوفِ. 11 وَيَصْعَدُ دُخَانُ عَذَابِهِمْ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. وَلاَ تَكُونُ رَاحَةٌ نَهَارًا وَلَيْلًا لِلَّذِينَ يَسْجُدُونَ لِلْوَحْشِ وَلِصُورَتِهِ وَلِكُلِّ مَنْ يَقْبَلُ سِمَةَ اسْمِهِ».
سأقدّم شرح لكل عدد لغويا ما يقوله النص اليوناني ثم تفسيره، وتقديم هذا لكل عدد على حدة أولًا. ثم شرح لرؤيا 14: 9–11 كوحدة واحدة، وسأركز خصوصًا في مسألة «العذاب إلى أبد الآبدين»؛ لأن هذه من أكثر النقاط التي وقع حولها خلاف تفسيري.
مقدمة لتوضيح موقع الأعداد 9–11 في رؤيا 14
تأتي رؤيا 14 في موضع مهم في السفر. ففي بداية الإصحاح نرى الحمل واقفًا على جبل صهيون ومعه الـ144,000، وقد كُتب اسم الحمل واسم أبيه على جباههم (14: 1). ثم تظهر ثلاثة إعلانات ملائكية متتابعة:
-
الملاك الأول يحمل «إنجيلًا أبديًا» وينادي جميع سكان الأرض أن يخافوا الله ويعطوه المجد، لأن ساعة دينونته قد جاءت 14: 6–7
-
الملاك الثاني يعلن: "سقطت، سقطت بابل المدينة العظيمة". 14: 8
-
الملاك الثالث يوجه تحذيرًا شديدًا إلى كل من يسجد للوحش وصورته ويقبل سمته 14: 9–11.
إذن فالترتيب ليس عشوائيًا. هناك أولًا دعوة إلى عبادة الله، ثم إعلان سقوط بابل، ثم تحذير من الارتباط بالوحش. وبعد ذلك مباشرة، في العدد 12، يأتي وصف القديسين بأن هنا «صبر القديسين»، ثم العدد 13 يتحدث عن «الموتى الذين يموتون في الرب». وبعد ذلك ينتقل المشهد إلى حصاد الأرض ودينونتها (14: 14–20). وهذا يجعل الأعداد 9–11 جزءًا من مشهد قرب الدينونة.
أولًا: رؤيا 14: 9 ثُمَّ تَبِعَهُمَا مَلاَكٌ ثَالِثٌ قَائِلًا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَسْجُدُ لِلْوَحْشِ وَلِصُورَتِهِ، وَيَقْبَلُ سِمَتَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ أَوْ عَلَى يَدِهِ،
النص اليوناني:
Καὶ ἄλλος ἄγγελος τρίτος ἠκολούθησεν αὐτοῖς λέγων ἐν φωνῇ μεγάλῃ, Εἴ τις προσκυνεῖ τὸ θηρίον καὶ τὴν εἰκόνα αὐτοῦ καὶ λαμβάνει χάραγμα ἐπὶ τοῦ μετώπου αὐτοῦ ἢ ἐπὶ τὴν χεῖρα αὐτοῦ
والترجمة الحرفية تقريبًا: «وملاك آخر، ثالث، تبعهما، قائلًا بصوت عظيم: إن كان أحد يسجد للوحش ولصورته، ويأخذ سمة على جبهته أو على يده.
وملاك آخر، ثالث Καὶ ἄλλος ἄγγελος τρίτος
كلمة أخر التي لم تأتي في الترجمة العربي وهي ἄλλος (allos) كما شرحت تعني «آخر»، من نفس النوع، أي ملاك آخر غير السابقين لكن من نفس نوعيتهم.
بينما τρίτος (tritos) تعني "الثالث". كترتيب.
والصياغة توضح أن لدينا سلسلة متتابعة: الملاك الأول: 14: 6–7، الملاك الثاني: 14: 8، الملاك الثالث: 14: 9. وهناك ترابط بينهم. الملاك الأول يقول: اسجدوا لله؛ والثاني يقول سقطت بابل؛ والثالث يقول: لا تسجدوا للوحش. أي أن المسألة الأساسية في المقطع هي العبادة والولاء بل صوره لمن؟ فهم يقولوا إنها لله.
قائلًا بصوت عظيم λέγων ἐν φωνῇ μεγάλῃ العبارة تكرر نمطًا معروفًا في سفر الرؤيا:
قائلا λέγων ليجون أي قول وتعبير.
بصوت φωνῇ فوني وشرحتها سابقا صوت أو صراخ او كلمات
μεγάλῃ عظيم عالٍ مرتفع.
فليست الرسالة سرية ولا غامضة في أصلها. على الرغم من أن السفر يستخدم الرموز، فإن التحذير نفسه معلن بصوت قوي. وهذا يعني أنه سيكون مسموع للبشر ولن يستطيع أحد ان يتحجج بانه لم يسمع. وهذا مهم جدًا؛ لأن العدد لا يقدم مجرد معلومة عن مستقبل بعيد، بل يقدم إنذارًا قويًأ.
إن
كان أحد Εἴ
τις.
Εἴ
(ei) إذا
أوإن كان.
وτις
(tis) أحد
أو أي شخص.
وهنا تظهر نقطة مهمة جدًا: صياغة العدد فردية وشخصية. ليس الحديث فقط عن نظام أو دولة أو مؤسسة بصورة مجردة، وإنما عن: "إن كان أحد" أي إنسان بشر.
ثم تعبير به كلمتين مهمتين وهما "يسجد... ويأخذ" أي إن الإنسان نفسه أمام اختيار وقرار. وهذا يتوافق مع نهاية الإصحاح، حيث يمتدح يوحنا صبر القديسين 14: 12.
يسجد للوحش وصورته προσκυνεῖ τὸ θηρίον καὶ τὴν εἰκόνα αὐτοῦ.
الفعل يسجدπροσκυνέω (proskyneō) يعني يسجد، يخرّ، يقدم عبادة أو إجلالًا. وهو لفظ مهم في رؤيا 13–14. فالوحش في رؤيا 13 لا يريد مجرد الخضوع السياسي، بل يريد العبادة: "وسجدوا للتنين الذي أعطى الوحش السلطان، وسجدوا للوحش" (13: 4). وفي 13: 8: وسيسجد له جميع الساكنين على الأرض. ثم في 14: 9 يأتي التحذير المقابل من الذين يفعلون هذا. إذن المشكلة الأساسية ليست مجرد حمل علامة خارجية وهي سمة الوحش فقط، بل الأخطر ان هذا يحمل معه عبادة الوحش وقبوله. وهذه نقطة وضحتها عند تفسير «سمة الوحش»: العلامة مرتبطة بالعبادة والولاء، وليست مجرد رمز تقني معزول عن سياقه.
للوحش τὸ θηρίον. θηρίον (thērion) الوحش/الحيوان الوحشي. وهو المصطلح نفسه المستخدم في رؤيا 13 للوحش.
وصورته:εἰκών (eikōn) καὶ τὴν εἰκόνα αὐτοῦ = كما عرفنا سابقا انها تعني صورة، تمثال، هيئة، representation. وهذا يرجع مباشرة إلى رؤيا 13: 14–15، حيث يأمر الوحش الأرضي سكان الأرض أن يصنعوا صورة للوحش البحري وأن يسجدوا لها. إذن رؤيا 14: 9 تفترض أن القارئ يعرف أحداث الإصحاح 13 وصورة الوحش الأول وسمة الوحش الثاني. وهذا يؤكد أن رؤيا 14 ليست بداية موضوع جديد، وإنما تفسير وتحذير لما سبق في رؤيا 13.
ويأخذ سمة καὶ λαμβάνει χάραγμα
الفعل يأخذ λαμβάνω (lambanō) = يأخذ يقبل يتلقى.
والاسم:χάραγμα (charagma) = سمة، علامة، نقش، ختم، وسم. وكما شرحت سابقا الكلمة مرتبطة بفكرة شيء منقوش أو مطبوع أو موسوم. وهي الكلمة نفسها التي شرحتها في رؤيا 13: 16–17. واللافت أن السفر يضع مقابلين واضحين:
أ. ختم الله: في رؤيا 7: 3: "حتى نختم عبيد إلهنا على جباههم". وفي 14: 1: "وعليه اسم أبيه مكتوبًا على جباههم".
ب. سمة الوحش: في رؤيا 13: 16: "أن يجعل الجميع... تُعطى لهم سمة على يدهم اليمنى أو على جبهتهم". ثم رؤيا 14: 9. لذلك يرى عدد كبير من المفسرين أن هناك مقارنة:
|
أتباع الحمل |
أتباع الوحش |
|
اسم الله |
اسم الوحش |
|
الجبهة |
الجبهة/اليد |
|
ختم الله |
سمة الوحش |
|
عبادة الله |
عبادة الوحش |
|
صبر القديسين |
اضطهاد أتباع الوحش لأبناء الله |
|
حياة |
دينونة |
والأهم أن رؤيا 14: 1 تجعل علامة الله مرتبطة بالهوية والانتماء لله، بينما رؤيا 14: 9 تجعل علامة الوحش مرتبطة بالعبادة والولاء للوحش.
على جبهته أو على يده» ἐπὶ τοῦ μετώπου αὐτοῦ ἢ ἐπὶ τὴν χεῖρα αὐτοῦ
جبهتهμέτωπον (metōpon) = الجبهة أو مقدمة الرأس وشرحت أنها تعبر عن التوجه والاهتمام والتفكير في.
اليد χείρ (cheir) = اليد وتعبر عن العمل.
وهذا يرجع حرفيًا تقريبًا إلى رؤيا 13: 16. وكما شرحت أن هناك أكثر من تفسير لهذه الصورة:
التفسير الأول: علامة حرفية مستقبلية.
يرى بعض المفسرين أن النص يتحدث عن علامة فعلية كشريحة الكترونية سوف توضع على البشر في المرحلة الأخيرة، مرتبطة بنظام الوحش الاقتصادي والديني. هذا التفسير يرتبط خصوصًا بقول رؤيا 13: 17 إن أحدًا لا يستطيع أن يشتري أو يبيع إلا من له السمة.
التفسير الثاني: علامة رمزية للولاء
يرى آخرون أن الجبهة ترمز إلى العقل والقناعة والهوية، واليد إلى الأفعال والممارسة. وبذلك يكون المعنى: الجبهة = ما يؤمن به الإنسان ويقبله. اليد = ما يفعله الإنسان ويشارك فيه. وهذا التفسير يجد خلفية مفيدة في العهد القديم، حيث ترتبط الجبهة واليد بفكرة الشريعة والولاء لله، خصوصًا في خروج 13: 9 وتثنية 6: 8؛ ولذلك يمكن أن تكون لغة رؤيا 13–14 نوعًا من المحاكاة الرمزية لختم شعب الله.
التفسير الثالث: علامة دينية سياسية اقتصادية مركبة
وفق هذا الاتجاه، العلامة ليست مجرد شيء مادي ولا مجرد فكرة ذهنية، بل هي كل هذا معا كما قلت فتشير إلى نظام كامل من الولاء للوحش، بحيث يصبح الإنسان جزءًا من منظومته الدينية والسياسية والاقتصادية. وهذا ينسجم مع رؤيا 13، حيث تجمع قصة الوحش بين العبادة، والسلطة، والاقتصاد، والإكراه. ومن المهم عدم اختزال النص إلى تفسير معاصر معين مثل بطاقة، أو شريحة إلكترونية، أو تطعيم، أو تقنية محددة؛ لأن النص نفسه لا يحدد تقنية بعينها. وحتى الدراسات التفسيرية الحديثة تشير إلى أن محاولات ربط «السمة» مباشرة بتطورات تقنية معينة في حد ذاتها مثلما قيل عن البطاقات الالكترونية او تطعيم وغيره هذه المحاولات تتجاوز ما يستطيع النص إثباته. فكما قلت هي نظام متكامل في العلامة أي السمة مع الاسم مع عدد حروفه حتى مع السجود لصورة الوحش الأول فهي نظام متكامل. فليس الشريحة فقط لو كانت شريحة الكترونية بل هي كجزء من نظام السجود للوحش عندما يخير الإنسان بين الله والوحش.
رؤيا 14: 10 فَهُوَ أَيْضًا سَيَشْرَبُ مِنْ خَمْرِ غَضَبِ اللهِ، الْمَصْبُوبِ صِرْفًا فِي كَأْسِ غَضَبِهِ، وَيُعَذَّبُ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ أَمَامَ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ وَأَمَامَ الْخَرُوفِ.
يبدأ العدد العاشر بنتيجة الشرط السابق:καὶ αὐτὸς πίεται ἐκ τοῦ οἴνου τοῦ θυμοῦ τοῦ θεοῦ... أي: «فهو أيضًا سيشرب من خمر غضب الله...» وهنا نصل إلى تحذير مهم من الناحية اللغوية.
وهو أيضًا καὶ αὐτός هي كاي الإضافة والتتابع ثم هو αὐτός الضمير هو نفسه أو هو أيضًا. هذه الصياغة تحمل قوة تأكيدية. أي إن الشخص الذي اختار الوحش وانضم لمنظومته لن يكون مستثنى من الدينونة.
يشرب من خمر غضب اللهπίεται ἐκ τοῦ οἴνου τοῦ θυμοῦ τοῦ θεοῦ
Πίεται وهي من يشرب πίνω (pinō) = وكما شرحت تعني يشرب يستقي يتجرع.
οἶνος = الخمر.
غضب Θυμός وهي نفس الكلمة التي وصف بها خمر بابل وهي أتت من التنفس بقوة وتعني الانفعال الشديد بمعنى، الغضب، السخط، fury.
وهنا توجد نقطة لغوية مهمة. في العدد 8: οἶνος τοῦ θυμοῦ τῆς πορνείας αὐτῆς "خمر غضب زناها". وفي العدد 10: οἶνος τοῦ θυμοῦ τοῦ θεοῦ "خمر غضب الله". وفيها أيضًا مقابلة مع العدد 8، حيث قيل عن بابل إنها: «سقت جميع الأمم من خمر غضب زناها». ثم في العدد 10 نجد المفارقة: بابل تسقي الأمم بالخمر الزنى ثم الله يسقي أتباع الوحش بخمر غضبه. وهذه مقابلة أدبية قوية. أي أن معلمنا يوحنا يستخدم لغة الخمر نفسها لكي يصنع مقابلة بين غضب بابل وغضب الله. وقد أشارت ملاحظات NET إلى وجود مقابلة لفظية حول θυμός في السياق.
المصبوب صرفا هذه عبارة مثيرة للاهتمام في النص اليوناني: τοῦ κεκερασμένου ἀκράτου وهذه ترجمتها الحرفية تبدو paradoxical: "المصبوب غير المخلوط" ولكن هي تعني «المصبوب دون تخفيف».
وكلمة مصبوب او mingle κεκερασμένου وهي من κεράννυμι (kerannymi) = . يصب أو يملا والتي تعني يضع الخمر في الكأس.
صرفًا ἀκράτου وهي تبدا بالفا علامة النفي ثم ممزوج من ἄκρατος (akratos) = فهي تعني غير ممزوج بمعنى غير مخفف، أي نقي خالص، أي غير ممزوج بالماء لا مخلوط ولا مخفف.
لماذا يقول مصبوب غير مخلوط أو مصبوب غير مخفف؟ لأن κεράννυμι في استعمالات يونانية معينة يمكن أن يتسع معناه من «مزج» إلى «إعداد/تقديم الخمر»، فالمقصود، وفق التفسير اللغوي، أن الخمر أُعدّ في الكأس نقية ثقيلة ولكنها لم تخفف بالماء. وهذه الصورة قوية: الخمر العادي كان يمكن تخفيفه بالماء، أما هنا فغضب الله لا توجد فيه تقليل أو مزج بشيء أبسط أو تخفيف للعقوبة. ولهذا تترجم بعض الترجمات: غير مخفف أو: بكامل قوته.
في كأس غضبه ἐν τῷ ποτηρίῳ τῆς ὀργῆς αὐτοῦ
ποτήριον (potērion) = كأس.
ὀργή (orgē) = غضب أو بمعنى سخط قضائي.
لاحظ الفرق بين:
غضب θυμός ثوموس في بداية العبارة،
وغضب ὀργή أورجي في نهاية العبارة.
كلاهما يمكن أن يترجم «غضب»، لكنهما ليسا متطابقين تمامًا. فكلمة غضبθυμός سوموس يمكن أن يحمل فكرة الانفعال أو السخط المتأجج، بينما ὀργή أورجي كثيرًا ما تستخدم للدلالة على الغضب الذي يرتبط بالدينونة أو الحكم. والصورة الكتابية للكأس كرمز لدينونة الله قديمة جدًا: مزمور 75: 8 وإشعياء 51: 17 وإرميا 25: 15 وما بعدها. ولهذا فإن يوحنا لا يخترع الصورة من العدم، وإنما يستخدم لغة الدينونة النبوية للعهد القديم.
ويُعذَّب καὶ βασανισθήσεται من الفعل: βασανίζω (basanizō) ومعناه الأساسي في الاستعمالات اليونانية: يعذب أو يعاني ألمًا شديدًا أو يتعرض لعذاب وفي بعض السياقات القديمة يرتبط أيضًا بفكرة اختبار المعادن. وفي سفر الرؤيا يستخدم يوحنا الكلمة أو مشتقاتها في سياقات مختلفة، منها رؤيا 9: 5 ورؤيا 11: 10 و12: 2 و14: 10–11 و20: 10. لذلك لا يوجد أساس لغوي قوي لترجمة βασανισθήσεται بمعنى «سيشعر بالندم فقط» أو «سيعاني نفسيًا فقط». النص يتحدث صراحة عن عذاب ألم شديد مقرون بالنار والكبريت.
لكن السؤال الأصعب هو: هل هذا العذاب أبدي، أم أنه يؤدي في النهاية إلى الهلاك؟ هنا تبدأ الخلافات التفسيرية التي سأعود إليها بعد تحليل العدد 11.
بالنار والكبريت ἐν πυρὶ καὶ θείῳ
كلمة نار πῦρ (pyr) = نار أو حريق.
كلمة كبريتθεῖον (theion) = كبريت/كبريت متقد.
والتعبير يرجع إلى صورة دينونة سدوم وعمورة في تكوين 19: 24: عندما أمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتًا ونارًا. كما تظهر لغة مشابهة في: مزمور 11: 6 وحزقيال 38: 22 ورؤيا 9: 17–18 ورؤيا 19: 20 ورؤيا 20: 10 ورؤيا 21: 8. وفي أغلب هذه الأعداد يوصف النار والكبريت بطريقة تفهم عن عذاب حقيقي ولكن ليس بالشرط مادي. إذن «النار والكبريت» ليست بالضرورة وصفًا فيزيائيًا لمادة يمكننا تحديدها علميًا مثلما صورها البعض حطب متقد؛ إنها صورة كتابية قوية للدينونة الإلهية النهائية الحقيقية.
أمام الملائكة القديسين وأمام الحملἐνώπιον ἀγγέλων ἁγίων καὶ ἐνώπιον τοῦ ἀρνίου
أمام ἐνώπιον = وتعني أمام أو في حضور.
والعبارة تكرر أمام مرتين. أمام الملائكة وأمام الحمل. وهذا يضع الدينونة في حضور السماء الشاهدة على الدينونة وشاهدة على تحقيق وعد أو انذار الرب. أما ذكر الحمل تحديدًا فهو مهم للغاية. يوحنا لا يقول أمام الله، بل يقول: أمام الحمل. والحمل في رؤيا 14 هو نفسه الذي رأيناه في 14: 1 وهو الرب يسوع المسيح له كل المجد. وهنا تظهر صورة مقابلة: ففي 14: 1: الحمل مع المفديين. وفي 14: 10: الحمل حاضر أثناء الدينونة. أي أن الذي قدم نفسه ذبيحة وفداءً هو نفسه الديان الذي يظهر بوصفه الحاكم والدينونة النهائية.
التفسير
يمكن تلخيص التفسيرات في أربعة اتجاهات رئيسية:
الأول. التفسير الحرفي الأخروي
يرى أن النص يتحدث عن عذاب فعلي في الدينونة النهائية، وأن النار والكبريت تشير إلى عقوبة حقيقية بنار حقيقية.
الثاني. التفسير الرمزي للدينونة
يرى أن النار والكبريت لغة تصويرية نبوية، لكن الحقيقة التي ترمز إليها هي دينونة الله النهائية والحاسمة، وليس بالضرورة أن تكون النار مادة حرفية. وهذا ما اتفق معه.
الثالث. التفسير الفنائي وليس الإبادي
يوجد تفسير أخر يقول إن هناك دينونة وعذابًا حقيقيًا، لكنه مؤقت فيرى أن نهايته هي الهلاك النهائي وانتهاء الوجود، ولا يوجد عذاب مستمر للأبد ولا استمرار الوعي بالعذاب إلى ما لا نهاية. هذا الاتجاه يستند إلى مجموعة من النصوص التي تتحدث عن «الموت» و«الهلاك» و«النار» ويفسروها بأنها نهاية للشر أي عذاب مؤقت ينتهي بالقطع والفناء. وهذا لا أقبله وأرى انه مخالف لتأكيد العدد بوضوح أنه عذاب أبدي.
الرابع. التفسير التاريخي وليس الرمزي
يرى بعض المفسرين أن لغة الدينونة يمكن أن تشير إلى سقوط نظام الوحش وبابل، وأن الصور الأخروية لها تطبيقات تاريخية على الأنظمة المعادية لله، مع بقاء البعد النهائي حاضرًا.
فهذه الاتجاهات في التفسير الأربعة متضادة؛ فهي تختلف خصوصًا في سؤال: ما طبيعة «العذاب» ومدته؟ وما أؤمن به أنه عذاب حقيقي غير مادي وليس نفسي وهو أبدي وليس مؤقت.
رؤيا 14: 11 وَيَصْعَدُ دُخَانُ عَذَابِهِمْ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. وَلاَ تَكُونُ رَاحَةٌ نَهَارًا وَلَيْلًا لِلَّذِينَ يَسْجُدُونَ لِلْوَحْشِ وَلِصُورَتِهِ وَلِكُلِّ مَنْ يَقْبَلُ سِمَةَ اسْمِه
النص في اليوناني:
καὶ ὁ καπνὸς τοῦ βασανισμοῦ αὐτῶν εἰς αἰῶνας αἰώνων ἀναβαίνει, καὶ οὐκ ἔχουσιν ἀνάπαυσιν ἡμέρας καὶ νυκτὸς...
أي بترجمة لفظية «ويصعد دخان عذابهم إلى أبد آبدين، وليس لهم راحة نهارًا وليلًا...»
وهذا هو العدد مهم لفهم الدينونة.
دخان عذابهم ὁ καπνὸς τοῦ βασανισμοῦ αὐτῶν
يبدا بكاي التي تعني و وهي للإضافة والتتابع.
دخان καπνός والتي تعني فقط دخان.
عذاب βασανισμός = عذاب، ألم، تعذيب.
هم αὐτῶν = الضمير هم أو لهم.
لاحظ أن يوحنا لا يقول ببساطة «دخان النار»، بل: دخان عذابهم. وهذا يربط الدخان مباشرة بالعقوبة التي وصفها العدد السابق النار والكبريت مما يعطي تجسيما لمشهد العذاب.
يصعد ἀναβαίνει من مصدرἀναβαίνω يصعد، يرتفع. والفعل هنا في زمن المضارع. والصورة ديناميكية: الدخان يصعد. أي أن معلمنا يوحنا يرسم أمام القارئ مشهدًا مستمرًا وليس شيء مؤقت. وهذا تأكيد للاستمرارية.
إلى أبد آبدين εἰς αἰῶνας αἰώνων أبد الأبدين أو أبد الأباد.
ولا تكون لهم راحة نهارًا وليلًا καὶ οὐκ ἔχουσιν ἀνάπαυσιν ἡμέρας καὶ νυκτός هذه العبارة أقوى من مجرد سيُعاقبون.
كاي الإضافة ثم أداة النفي οὐκ التي تعني= لا.
تكون ἔχουσιν = لديهم أو يمتلكون.
راحة ἀνάπαυσιν = راحة، توقف، استراحة.
إذن: «ليس لديهم راحة». وهذا تعبير استمرارية.
ثم: ἡμέρας καὶ νυκτός «نهارًا وليلًا». وهذه صيغة شمولية، أي إن العذاب ليس محدودًا بفترة قصيرة من النهار أو الليل. ولهذا فإن القراءة التي تقول إن العدد يتحدث عن دينونة شديدة ومستمرة لها أساس لغوي قوي.
ثم يأتي الجزء من رؤيا 14: 11 المهم، لأنه يُكمل تحديد الأشخاص الذين تنطبق عليهم الدينونة المذكورة في النصف الأول من العدد وهو "للذين يسجدون للوحش ولصورته ولكل من يقبل سمة اسمه". النص اليوناني في نهايته:
τοὺς προσκυνοῦντας τὸ θηρίον καὶ τὴν εἰκόνα αὐτοῦ, καὶ εἴ τις λαμβάνει τὸ χάραγμα τοῦ ὀνόματος αὐτοῦ
أي حرفيًا تقريبًا: للساجدين للوحش وصورته ولمن (وأي شخص) يقبل سمة اسمه
للذين يسجدون τοὺς προσκυνοῦντας — tous proskynountas من προσκυνέω (proskyneō)، أي: يسجد، يخرّ أمام، يعبد، يقدم الولاء. وهو اتي أسم فاعل (ساجدين) وليس فعل مثل الترجمات. واستخدام اسم الفاعل هنا مهم؛ فهو لا يصف مجرد حادثة عابرة، بل يشير إلى أشخاص يمارسون السجود للوحش فأصبحت صفة لهم. والفعل نفسه مستخدم في رؤيا 13 بصورة متكررة، مثل: وسجدوا للتنين الذي أعطى الوحش السلطان، وسجدوا للوحش 13: 4. إذن رؤيا 14: 11 تعود مباشرة إلى مشهد رؤيا 13.
للّوحش τὸ θηρίον — to thērion
وحش θηρίον وعرفنا انها تعني «الوحش» أو «الحيوان الوحشي». دليل على الشراسة والقوة. وهنا لا يحدد معلمنا يوحنا الوحش من جديد؛ لأنه أصبح معروفًا من الإصحاح 13. والسياق السابق يصف الوحش بأنه صاحب: سلطان عظيم. سلطة على الأمم. قدرة على الحرب ضد القديسين. طلب العبادة. ارتباط بالعلامة. تأثير اقتصادي يمنع البيع والشراء بدون السمة. لذلك فإن «السجود للوحش» في رؤيا 14: 11 يعني، في سياق السفر، الخضوع والولاء الديني للسلطة التي تقاوم الله. ولصورته καὶ τὴν εἰκόνα αὐτοῦ — kai tēn eikona autou
كلمة صورة εἰκών (eikōn) عرفنا سابقًا انها تعني: صورة تمثال هيئة تمثيل representation. وهي مرتبطة مباشرة برؤيا 13: 14–15. هناك نقرأ أن سكان الأرض يُطلب منهم أن يصنعوا صورة للوحش وأن يسجدوا لها. إذن «صورة الوحش» في 14: 11 ليست فكرة جديدة، بل عودة إلى الإصحاح 13. والجمع بين: الوحش + صورته يعني أن السجود ليس للوحش فقط بصورة مباشرة، بل أيضًا للتمثيل أو الصورة التي أقيمت له.
ولكل من يقبل καὶ εἴ τις λαμβάνει
كل εἴ τις = أي أحد أو أي شخص أي تعني إن كان أحد أو كل من.
أما: تعبير يقبلλαμβάνει (lambanei) من λαμβάνω = يأخذ، يقبل، يتلقى.
وهنا نلاحظ الانتقال من: «الذين يسجدون» إلى: «كل من يقبل». أي أن التحذير يشمل صورتين متصلتين: السجود للوحش وقبول سمته. وهذا مهم جدًا؛ لأن النص لا يحصر المشكلة في فعل السجود العلني فقط، بل يشمل أيضًا قبول علامة الانتماء إلى الوحش.
سمة اسمه τὸ χάραγμα τοῦ ὀνόματος αὐτοῦ هذه العبارة الهامة التي شرحتها سابقا في الإصحاح السابق.
سمة χάραγμα — charagma كما وضحت تعني: سمة، علامة، نقش، وسم. فهي نفس الكلمة المستخدمة في رؤيا 13: 16–17.
اسم ὄνομα — onoma تعني: اسم. ولكن كما وضحت سابقا «الاسم» في الفكر الكتابي لا يعني مجرد مجموعة حروف، بل يمكن أن يشير إلى: السلطان الهوية الشخصية السلطة الملكية الانتماء. لذلك فإن: «سمة اسمه» يمكن فهمها بوصفها علامة مرتبطة بهوية الوحش ولا بد أن يكون فيها اعلان انتماء الشخص إليه. وسلطان الوحش عليه.
التفسير
وَيَصْعَدُ دُخَانُ عَذَابِهِمْ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. هذه العبارة مهمة للرد على خلاف هل هو عذاب مؤقت أم أبدي فهنا يكررها للتأكيد على أنه أبدي. وهي منαἰών (aiōn) يمكن أن يدل على: عصر دهر حقبة مدة طويلة أو الأبدية. أما التعبير معا αἰῶνας αἰώνων فهي حرفيًا: دهور الدهور أي الأبد الذي لا ينتهي. والتعبير اليوناني هنا قوي جدًا من الناحية البلاغية.
لكن توجد مسألة لغوية مهمة: في بعض المواضع يستخدم يوحنا أداة تعريف: εἰς τοὺς αἰῶνας τῶν αἰώνων «إلى دهور الدهور»، بينما هنا: εἰς αἰῶνας αἰώνων من دون أداة التعريف. وقد ناقش المفسرون أهمية هذا الاختلاف، لكنه بناء على قاعدة كلويل التعريف موجود بدون أدلة ولا يكفي وحده لإثبات أن العبارة تعني مدة محدودة
فهل «أبد الآبدين» تعني مدة لا نهاية لها؟
هناك اتجاه يرى أن: εἰς αἰῶνας αἰώνων أيوناس أيونون فهي في هذا السياق تعني بلا شك: إلى الأبد، دون نهاية. والسبب الأقوى ليس الكلمة وحدها، بل استخدامها في سفر الرؤيا نفسه. فهي تستخدم لوصف أمور مثل: ملك الله الأبدي بدون نهاية ومجده الأبدي وحياة الله. وأيضًا في رؤيا 20: 10 لعذاب إبليس والوحش والنبي الكذاب الأبدي. وفي رؤيا 20: 10 نجد: ويُعذبون نهارًا وليلًا إلى أبد الآبدين ويستخدم أداة التعريف. وهناك تطابق واضح جدًا بين 14: 11 و20: 10. فلم يستخدم هذا التعبير ولا مرة كمدة محدودة بل للأبد الذي لا ينتهي وهو نفس التعبير الذي يستخدم عن الحياة الأبدية التي لا تنتهي الرب الأبدي. فالصياغة نفسها تحمل معنى الامتداد بدون نهاية. وهذا ما أؤمن به.
لكن هناك اتجاه تفسيري آخر، بعض المفسرين قالوا إن معلمنا يوحنا يستعير لغة العهد القديم، وبخاصة إشعياء 34: 10: "لا يطفأ ليلًا ولا نهارًا، يصعد دخانها إلى الأبد". والسياق في إشعياء يتحدث عن خراب أدوم. وأدوم لم تستمر تحترق للأبد، فيقولون لأن النار في الصور النبوية قد تكون نارًا حقيقية تؤدي إلى خراب دائم، بينما لا يعني ذلك بالضرورة أن المادة نفسها تستمر في الاحتراق إلى ما لا نهاية. وهناك ملاحظة تفسيرية مهمة: إشعياء 34: 10 يستخدم لغة «الدخان الصاعد إلى الأبد» في سياق الدمار الكامل لأرض أدوم. وقد رأى عدد من الباحثين أن يوحنا يستحضر هذه الصورة في رؤيا 14: 11. فقالوا «النتيجة أبدية، وليس بالضرورة أن يكون فعل التعذيب نفسه مستمرًا إلى الأبد.» أي أن: العقوبة أبدية من حيث النتيجة، لا بالضرورة من حيث استمرار عملية التعذيب. بل بعد العذاب يتجهوا للفناء. وهذا غير مقبول في رأيي لأن إشعياء حتى في هذا المقطع يتكلم عن غضب الرب على كل المسكونة والأرض وملؤوها في عدد 1 والوصف يستمر عن العذاب الأبدي " لأن للرب سخطا على كل الأمم وحموا على كل جيشهم. قد حرمهم دفعهم إلى الذبح. فقتلاهم تطرح وجيفهم تصعد نتانتها وتسيل الجبال بدمائهم. ويفنى كل جند السماوات وتلتف السماوات كدرج وكل جندها ينتثر كانتثار الورق من الكرمة والسقاط من التينة ". فأدوم واضح انها رمز للشعوب الأرضية التي رفضت الرب واختارت الأرضيات فوصف إشعياء واضح جدا انه يتكلم عن العذاب الأبدي للأشرار الأرضيين الأدوميين في الدينونة الأبدية. فإشعياء في الحقيقة يؤكد أن العذاب أبدي.
لكن السؤال مرة أخرى هو: إلى متى يستمر العذاب وما هو نوعه؟
هنا تختلف المدارس التفسيرية.
التفسير الأول لرؤيا 14: 11: العذاب هو حقيقي أبدي وهذا ما أؤمن به، وهذا هو التفسير التقليدي في كثير من التقاليد المسيحية. ويقول:
-
βασανισμός يعني عذابًا حقيقيًا.
-
«لا راحة» تعني عدم توقف الألم.
-
«نهارًا وليلًا» تعني الاستمرار.
-
«إلى أبد الآبدين» تعني بلا نهاية.
-
والنص لا يقول إن النار تستهلكهم وتنهي وجودهم ويفنوا.
ويستشهد هذا التفسير بقوة برؤيا 20: 10، حيث يقال عن إبليس والوحش والنبي الكذاب إنهم «سيُعذبون نهارًا وليلًا إلى أبد الآبدين». ومن هذا المنظور يكون المعنى: الذين يختارون الوحش ويصرون على عبادته يواجهون دينونة حقيقية لا تنتهي.
التفسير الثاني: الهلاك النهائي أو الفناء
هذا الاتجاه لا ينكر حقيقة الدينونة، ولا ينكر حقيقة العذاب، ولكنه يختلف في مدته. ويقول إن الكتاب يستخدم أحيانًا النار بوصفها شيئًا يستهلك ويهلك. ويشير إلى لغة مثل: الموت الهلاك الإبادة النار التي تحرق. ويستشهد بإشعياء 34: 10، التي قمت بالرد عليها. وهذا التفسير موجود في بعض التفسيرات الحديثة، ولا أتفق معه.
التفسير الثالث: اللغة النبوية الرمزية
يركز هذا الاتجاه على طبيعة سفر الرؤيا نفسه. فالسفر مليء بالرموز لذلك يرى هذا الاتجاه أن محاولة تحويل كل صورة إلى وصف مادي حرفي قد تكون غير مناسبة لطبيعة الأدب الرؤيوي. فهو عذاب نفسي. لكن ينبغي الحذر من نتيجة عكسية أيضًا. كون الصورة رمزية لا يعني أن الدينونة نفسها غير حقيقية. مثلًا: «النار والكبريت» قد تكون صورة رمزية، لكن الشيء الذي ترمز إليه وهي دينونة الله ولكن هي دينونة حقيقي في رؤية يوحنا.
تعبير «أمام الملائكة القديسين وأمام الحمل». وهذا يظهر الدينونة والشهود السماويون على الدينونة. فالهدف م هذا التعبير هو إظهار علانية وعدالة الدينونة أمام العالم السماوي. والصورة تتوافق مع فكرة أن الله هو الديان العادل، وأن الحكم على الوحش وأتباعه ليس حكمًا بسيطا بل ستكون دينونة علنية.
وحش بالمفرد رغم انه تكلم في رؤيا 13 عن وحش من البحر وأخر من الأرض وسنجد انه يقول "لصورته" وهذه كانت عن البحري ولكن معها "سمة اسمه" وهي كانت عن الوحش الأرضي. فيستخدم صيغة المفرد لأن الاثنين تابعين للتنين الذي لقبه سابقا بالوحش فهو يتكلم عن المنظومة الشيطانية كلها
لِلَّذِينَ يَسْجُدُونَ لِلْوَحْشِ وَلِصُورَتِهِ وَلِكُلِّ مَنْ يَقْبَلُ سِمَةَ اسْمِه. ونلاحظ أنه يستخدم وحش بالمفرد رغم انه تكلم في رؤيا 13 عن وحش من البحر وأخر من الأرض وسنجد انه يقول لصورته وهذه كانت عن البحري وسمة اسمه وهي كانت عن الأرضي. فيستخدم صيغة المفرد لأن الاثنين تابعين للتنين الذي لقبه سابقا بالوحش فهو يتكلم عن المنظومة الشيطانية كلها كوحدة واحدة لا تتجزأ ولا يصلح لشخص ان يقبل شيء من منظومة الشيطان ويعتبر أن هذا سيمر بدون دينونة.
أيضًا في رؤيا 13: 17 "وأن لا يقدر أحد أن يشتري أو يبيع إلا من له السمة أو اسم الوحش أو عدد اسمه." وميز ثلاث أشياء مكملين لبعض وهم السمة والاسم وعدد الاسم ولكن هنا يجعلها شيء واحد وهو سمة اسمه. والسبب في رأيي أن يوحنا لا يقصد في رؤيا 14: 11 أن يقول إن «السمة» و«الاسم» و«عدد الاسم» شيء واحد من حيث الصياغة، بل يستخدم تعبيرًا مختصرًا يربط السمة بالاسم والهوية التي تمثلها. وبخاصة صيغة اسمه τοῦ ὀνόματος في صيغة المضاف إليه (genitive) لا تعني بالضرورة أن «السمة = الاسم»، وإنما تحدد علاقة السمة بالاسم. مثال بسيط: عندما نقول «ختم الملك»، فهذا لا يعني أن الختم هو الملك، وإنما هو الختم الذي يحمل علاقة بالملك أو يمثل سلطته/ملكيته. لأن الاسم في سفر الرؤيا مرتبط بالهوية والسلطان والانتماء فهم قبلوا سمته وأيضًا قبلوا اسمه هم قبلوا سلطانه عليهم. ففي رؤيا 14 التركيز انتقل من كيفية التعرف على أتباع الوحش بثلاث أشياء إلى لماذا يدينهم الله فلا يكرر علامات التمييز الثلاثة.
العلاقة بين «سمة اسمه» و«اسم الله» هنا توجد مقابلة شديدة الأهمية في الإصحاح. في رؤيا 14: 1 نقرأ عن الـ144,000: «وعليه اسم أبيه مكتوبًا على جباههم». وفي 14: 11 نجد: «سمة اسمه». إذن لدينا طرفان متقابلان: اسم الآب على جباه أتباع الحمل مقابل سمة اسم الوحش على أتباع الوحش. وهذا يجعل «السمة» أكثر من مجرد وسيلة اقتصادية؛ إنها علامة هوية وانتماء وولاء.
رؤيا 13: 16–17 «ويجعل الجميع... تُعطى لهم سمة على يدهم اليمنى أو على جبهتهم، وأن لا يقدر أحد أن يشتري أو يبيع إلا من له السمة أو اسم الوحش أو عدد اسمه». ومن ثم فإن رؤيا 14: 11 تلخص ثلاث أفكار من الإصحاح 13: الوحش صورته سمة اسمه. ولهذا لا ينبغي تفسير السمة بمعزل عن موضوع العبادة.
التفسيرات المختلفة للمقطع باختصار
التفسير الحرفي المستقبلي
يرى أن السمة ستكون علامة حقيقية توضع على الأشخاص في المرحلة الأخيرة، وأن قبولها سيكون جزءًا من نظام الوحش الديني والاقتصادي. وفق هذا التفسير، المشكلة ليست في العلامة المادية وحدها، وإنما في قبولها باعتبارها علامة الخضوع للوحش والانتماء له.
التفسير الرمزي
يرى أن السمة ليست شيء حقيقي ولكن فقط ترمز إلى الانتماء والولاء للوحش فكريا. وعلى هذا الأساس:
الجبهة = القناعة والهوية الفكرية.
اليد = السلوك والعمل.
السمة = الانتماء العملي للمنظومة المعادية لله.
وهذا ينسجم مع المقابلة بين سمة الوحش واسم الله على جباه أتباع الحمل.
التفسير الشمولي
وهذا ما اقبله وهو الاثنين معا فهي شيء حقيقي وأيضا ترمز للانتماء أي أن السمة فعلا ستوضع وتشمل العناصر الثلاثة معًا: العبادة: السجود للوحش. السياسة: الخضوع لسلطته. الاقتصاد: عدم القدرة على الشراء والبيع بدونها. وبالتالي فالعبارة تصف شيء حقيقي وفيه يكون ولاءً شاملاً بفكر وفعل وليس مجرد علامة منفردة.
نقطة مهمة: هل مجرد وجود السمة هو سبب الدينونة؟
من ترتيب النص، يبدو أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين: السجود للوحش وقبول السمة. لكن النص نفسه يجعل العبادة والولاء هي محور المشكلة فالسمة علامة على هذا. وهذا يتضح من رؤيا 14: 9: إن كان أحد يسجد للوحش ولصورته ويأخذ سمة، ثم 14: 11: «للذين يسجدون للوحش ولصورته... ولمن يقبل سمة اسمه». لذلك لا يبدو أن يوحنا يحذر من علامة مادية منفصلة عن معناها، بل من قبول علامة ستكون في هذا الوقت تمثل الانتماء إلى الوحش بطريقة معلنة والاشتراك في عبادته. وهذه نقطة مهمة جدًا عند تطبيق العدد على أي تقنية أو وسيلة حديثة: النص لا يقول إن مجرد استخدام تقنية معينة هو بحد ذاته سمة الوحش؛ بل يربط هذه التقنية انها ستكون معلنة ان السمة مرتبطة بالوحش وعبادته واسمه وسلطانه. فالرب لن يدين شخص استخدم تكنولوجيا ولكن لا يقصد اتباع الشيطان. فالإدانة للاختيار عن معرفة الشخص انه بقبول هذا هو يختار الانتماء للوحش.
فالنصف الثاني من رؤيا 14: 11 يحدد بدقة من تقع عليهم الدينونة المذكورة في النصف الأول: «الذين يسجدون للوحش ولصورته» الذين يقدمون له العبادة والولاء. «ومن يقبل سمة اسمه» الذين يقبلون علامة مرتبطة بهويته وتعلن سلطانه وانتمائهم إليه. وهكذا يصبح العدد 11 كله متصلًا بصورة واضحة: السجود للوحش قبول هويته/سمته الدينونة لا راحة. أبدية وفي المقابل، يضع الإصحاح صورة أخرى: عبادة الله اسم الله على الجبهة الصبر والثبات الوقوف مع الحمل للأبد. وهذا التوازي بين «اسم الله» و«اسم الوحش»، وبين الحمل والوحش.
التفسير العام للأعداد 9–11 معًا
إذا قرأنا الأعداد الثلاثة كوحدة واحدة، فإن البنية واضحة جدًا:
العدد 9 القرار عبادة الوحش وقبول صورته وقبول سمته.
العدد 10 النتيجة شرب خمر غضب الله والعذاب بالنار والكبريت.
العدد 11 استمرار أو نتيجة الدينونة دخان العذاب يصعد إلى أبد الآبدين ولا راحة نهارًا وليلًا.
إذن يمكن تلخيص الوحدة هكذا: العبادة الخاطئة الولاء للوحش الدينونة الإلهية. وهذا مهم، لأن الاعداد تضع العقوبة بسبب.السبب المذكور هو: عبادة الوحش وصورته وقبول سمته. أي أن القضية في جوهرها مرة أخرى هي من يستحق العبادة؟ الله أم الوحش؟
العلاقة بين رؤيا 14: 9–11 ورؤيا 13
في رؤيا 13 نجد: عدد 4 الناس يسجدون للتنين. عدد 8 السكان يسجدون للوحش الأول. عدد 12 الوحش الثاني يجعل الأرض تسجد للوحش الأول. عدد 14 الوحش الثاني يجعلهم يصنعوا صورة للوحش الأول. عدد 15 يبرهم على السجود للصورة. عدد 16 توضع السمة. عدد 17 السمة ترتبط بالشراء والبيع.
ثم يأتي رؤيا 14: عدد 9 تحذير من السجود للوحش والصورة وقبول السمة. عدد 10 إعلان العقوبة. عدد 11 وصف شدة الدينونة. إذن رؤيا 14: 9–11 هي تقريبًا الجواب السماوي على رؤيا 13. رؤيا 13 تقول: ماذا يفعل الوحش؟ ورؤيا 14 تقول: ماذا ستكون نتيجة ذلك؟
العلاقة مع رؤيا 14: 6–8 أي السابق له
لاحظ الترتيب: عدد 6–7 «خافوا الله واعطوه مجدًا... واسجدوا...» عدد 8 «سقطت بابل...» عدد 9 «إن كان أحد يسجد للوحش...» هناك إذن عبادتان متقابلتان: عبادة الله مقابل عبادة الوحش. وبينهما يأتي سقوط بابل. وهذا يعني أن بابل والوحش ليسا موضوعين منفصلين تمامًا في بنية الإصحاح؛ بل يمثلان جوانب مختلفة من النظام الشيطاني المعادي لله. ولهذا كما قدمت أن بابل هي الشيطان.
العلاقة مع رؤيا 14: 12 أي التالي له
بعد وصف الدينونة مباشرة في 9–11 يقول معلمنا يوحنا: «هنا صبر القديسين، هنا الذين يحفظون وصايا الله وإيمان يسوع.» لاحظ المقابلة:
أتباع الوحش يسجدون للوحش. يقبلون سمته. يشربون من كأس غضب الله.
القديسون يصبرون. يحفظون وصايا الله. يتمسكون بإيمان يسوع.
إذن 14: 9–11 ليست مجرد «وصف للجحيم»، بل هي جزء من خطاب الصبر والثبات بتوضيح الصورة النهائية الحقيقي حتى لو بدى الموقف هو هزيمة أرضية امام الوحش. الرسالة للمؤمنين الذين يعيشون تحت ضغط الوحش هي: لا تستسلموا للوحش حتى لو كان الاستسلام يبدو طريقًا أسهل وأكثر أمانًا اقتصاديًا أو اجتماعيًا. وهذا يفسر لماذا يأتي العدد 12 مباشرة بعدها وهو صبر القديسين والدينونة.
ثم بعد هذا رؤيا 14: 14–20 — حصاد الأرض الذي هو استمرارًا واضحًا لصورة الغضب والدينونة التي بدأت في 14: 10. إذن العدد 10: «كأس غضب الله» والأعداد 19–20: «معصرة غضب الله». كلاهما يستخدمان صورة الخمر للدلالة على الدينونة. وهذا يؤكد أن رؤيا 14 كلها تقريبًا مبنية حول ثنائية: الحصاد والخلاص مقابل الحصاد والدينونة.
ثم في رؤيا 15–16 سبعة ملائكة معهم سبع ضربات هي الأخيرة، لأن بها أكمل غضب الله. وفي رؤيا 16 تُسكب الجامات. وهذا يكمل «كأس غضب الله». وبالتالي يمكن رؤية رؤيا 14: 10 باعتبارها إعلانًا مسبقًا للدينونة التي تتوسع تفاصيلها في الإصحاحات 15–16.
ثم رؤيا 17–18 سقطت بابل.
ثم في رؤيا 19 :3: ودخانها يصعد إلى أبد الآبدين. وهذا يؤكد أن «الدخان» في سفر الرؤيا يحمل أيضًا معنى الانتصار الإلهي النهائي على العدو وسقوطه الذي لا رجعة فيه.
ثم رؤيا 19: 20 الوحش والنبي الكذاب يُطرحان في «بحيرة النار المتقدة بالكبريت». وهذا مثل رؤيا 14: 10 — «النار والكبريت».
ثم في رؤيا 20: 10: «ويُعذبون نهارًا وليلًا إلى أبد الآبدين». وهنا عن: إبليس والوحش والنبي الكذاب. بينما رؤيا 14: 9–11 تتحدث عن: «من يسجد للوحش وصورته ويقبل سمته». وهذا يؤكد أن أتباع التنين سيشاركون بالضبط في مصير الوحش نفسه الأبدي لأن التنين لا يفنى وهذا يؤكد التفسير التقليدي عن طبيعة الدينونة الأبدية؛ ويظهر خطأ التفسير الحديث الذي ينادي بالفناء.
هل «النار» حرفية أم رمزية؟
من المهم جدًا عدم الخلط بين سؤالين: السؤال الأول: هل النار حرفية؟ السؤال الثاني: هل العقوبة حقيقية أبدية؟
أؤمن أن: النار حقيقية ولكن ليست نار الحطب المادية، وأيضًا العقوبة أبدية. لكن يقول آخر: النار رمزية، والعقوبة تنتهي بالموت النهائي. وقد يقول ثالث: النار حقيقية والعذاب حقيقي وأبدي. إذن كون النار حقيقية من رمزية لا يحسم موضوع الأبدية فهي مثبتة من السياق. وهذه نقطة مهمة جدًا في المعنى.
المهم لو كان النار عذاب حقيقيكما أؤمن أو رمزي كما يقول البعض الأمر فيه هذا من يختار الوحش بدل الله سيشرب من كأس غضب الله، وسيواجه دينونة موصوفة بالنار والكبريت، ويصعد دخان عذابه «إلى أبد الآبدين»، ولا تكون له راحة نهارًا وليلًا. وهكذا فإن المحور الأساسي ليس النار وحدها، ولا السمة وحدها، ولا حتى العذاب وحده، وإنما العبادة والولاء. فالوحش يريد أن يأخذ المكان الذي لله الخالق. والسمة تصبح علامة الانتماء إليه. وبالمقابل، الحمل له شعب يحمل اسم الله على جباهه. ولهذا فإن رؤيا 14 تضع أمام القارئ صورتين متقابلتين: اسم الله على جباه أتباع الحمل مقابل سمة الوحش على أتباع الوحش. والنتيجة النهائية لهذين الانتماءين مختلفة جذريًا.
لذلك، إذا أردنا تلخيص رسالة هذه الأعداد: الإنسان أمام اختيار حاسم بين عبادة الله والحمل وبين عبادة الوحش؛ والسمة تمثل الانتماء والولاء، أما الدينونة الموصوفة بالنار والكبريت ودخان العذاب فهي الإعلان عن النتيجة النهائية لهذا الاختيار.
فالأمر كله في هناك اختياران للإنسان: الله والحمل من جهة، والوحش من جهة أخرى. والإنسان لا يستطيع في النهاية أن يكون تابعًا لكليهما. وهذا هو السبب في أن رؤيا 14: 9–11 تأتي بعد: «اسجدوا للذي صنع السماء والأرض 14: 7 وقبل: «هنا صبر القديسين...» 14: 12. الاختيار الأول سيعطيك أتعاب أرضية مؤقته ولكن راحة أبدية والاختيار الثاني سيعطيك راحة أرضة مؤقتة وعذاب أبدي فالاختيار لك.
