الاصحاح الرابع عشر من سفر الرؤيا عدد 8 ومن هي بابل
د. غالي
مقدمة
بدأنا في الإصحاح الرابع عشر. وهو سينقسم إلى:
من 1-5 الحمل والمؤمنين والمتمسكين به.
من 6-13 الثلاث ملائكة للتبشير والتحذير.
من 14-20 مناجل الحصاد.
وبعد ان عرفنا ان الحمل الرب يسوع له كل المجد هو الواقف على جبل صهيون في وسط كنيسته يعطيها ثبات ويقودها للسماوات وحوله أصوات قوية تسبيح وانذار والمؤمنين معه مسبحين بقيثاراتهم. وعرفنا ان الجديد في الترنيمة هو الخبرة. وعرفنا معنى ال 144,000 وأنه رقم رمزي يشير لجماعة الرب. وعرفنا معنى الأطهار والباكورة وكيف أن الإصحاح يقدم صورة عكسية للذين اتبعوا الوحش. ثم يبدأ من عدد 6 ويتكلم عن ثلاث ملائكة بثلاثة رسائل. وعرفنا بشارة الملاك الأول الذي أعلن بشارة عالمية إلى الاعتراف بسيادة الله وعبادته باعتباره الخالق، في مواجهة أفعال التنين والوحش واقتراب الدينونة. ثم يأتي دور الملاك الثاني والبشارة الثانية
8 ثُمَّ تَبِعَهُ مَلاَكٌ آخَرُ قَائِلًا: «سَقَطَتْ! سَقَطَتْ بَابِلُ الْمَدِينَةُ الْعَظِيمَةُ، لأَنَّهَا سَقَتْ جَمِيعَ الأُمَمِ مِنْ خَمْرِ غَضَبِ زِنَاهَا!»
ندرس معًا رؤيا 14: 8 من ثلاث زوايا مترابطة: التعبيرات اللغوية، والتفسيرات المختلفة، ثم موقع العدد في سياق رؤيا 14: 6–13.
العدد يتكلم عن اعلان الملاك الثاني وهذا الإعلان يتكون من: إعلان سقوط بابل: «سَقَطَتْ! سَقَطَتْ بَابِلُ» ثم تفسير سبب السقوط: «لأَنَّهَا سَقَتْ جَمِيعَ الأُمَمِ مِنْ خَمْرِ غَضَبِ زِنَاهَا» وهذا السياق مهم: الإعلان أولًا وفيه صيغة حكم عقاب، ثم تعليل الحكم وتوضيح سببه وهو أغوائها واضلالها للأمم. والعدد غني من الناحية اللغوية، لأن يوحنا يستخدم عبارات قصيرة ومكثفة تحمل خلفية واضحة من لغة الأنبياء في العهد القديم.
الدراسة اللغوية للتعبيرات
ثُمَّ تَبِعَهُ مَلَاكٌ آخَرُ. في اليونانية: Καὶ ἄλλος δεύτερος ἄγγελος ἠκολούθησεν يترجم بصورة لفظية تقريبًا: "و آخر، ثانٍ، ملاك تبعه."
وتبدأ ب Καὶ كاي اليوناني التي للإضافة لأنه تابع للسابق والثاني في الترتيب.
أخر ἄλλος الوس وعرفنا أنها تعني «آخر من النوع نفسه/آخر بالإضافة إلى السابق». فهو ثاني ملاك من الثلاثة ملائكة وأخر لأنه يكمل المشهد السابق.
رغم إنه يقول وملاك أخر إلا أنه يضيف لفظ δεύτερος ديوتيروس أي ثاني فيبدوا للبعض أنها تكرار فلهذا بعض التراجم لم تضيفها ولكن هي تأكيد أنه الثاني في الترتيب.
ملاك ἄγγελος أنجيلوس ودرسناها سابقا وتعني ملاك الكائن السماوي أو الرسالة.
الفعل المستخدم لـتَبِعَ هو ἠκολούθησεν ēkolouthēsen من ἀκολουθέω akoloutheō، أي: يتبع، يمضي وراء، يلحق. فالتعبير هذا يربط هذا الملاك بالملاك السابق في العدد 6، الذي كان يحمل الإنجيل الأبدي. ثم يأتي ملاك ثانٍ تالي له برسالة أخرى مرتبطة بالأولى ومكملة لها.
والتتابع مهم، الملاك الأول: إنذار وبشارة. الملاك الثاني: إعلان سقوط بابل وهذه أيضًا بشارة. ثم يتبعهم لاحقا وهو الملاك الثالث بداية من عدد 9: وستكون رسالته تحذير من عبادة الوحش وقبول علامته. وهكذا تتقدم الرسالة من الدعوة إلى الله إلى إعلان الحكم على النظام المعادي لله وهو السقوط ثم إلى التحذير من الاشتراك فيه.
ثم يبدأ الإعلان بتعبير "سَقَطَتْ! سَقَطَتْ" اليونانية: Ἔπεσεν ἔπεσεν ايبيسين والفعل من πίπτω piptō أي: يسقط، يقع، يهوي، ينهار. واللافت هنا هو التكرار: سقطت! سقطت وهذا ليس مجرد تكرار بلا معنى. فلماذا التكرار؟ التعبير يقتبس بصورة واضحة إشعياء 21: 9: سَقَطَتْ، سَقَطَتْ بَابِلُ. كما يرتبط أيضًا باللغة النبوية التي تعلن يقين الحكم الإلهي. فهذا يوضح أن نبوة إشعياء عن بابل ليست نبوة بسيطة ومستوى واحد بل من النوع الدقيق جدا وهو ثنائية التحقيق المستوى الأول التاريخي في سقوط مملكة بابل التي سبت إسرائيل. والمستوى الثاني من التحقيق هو مملكة بابل الشيطانية في أواخر الأيام. فالتكرار يؤدي وظيفتين:
الأول التأكيد: فالسقوط مؤكد، وليس مجرد احتمال.
ثانيًا الإعلان النبوي: فالحدث يُعلن بصيغة الماضي، مكررًا النبوة التي حدثت في الماضي مع أن اكتماله النهائي يظهر لاحقًا في السفر. وهذا أسلوب معروف في النبوة الكتابية، حيث يُعبَّر عن حدث مستقبلي مؤكد كما لو أنه قد حدث بالفعل. ويُعرف هذا أحيانًا باسم الماضي النبوي للتأكيد. فتعبير سقطت لا تعني بالضرورة أن يوحنا يصف هنا كل تفاصيل سقوط بابل مملكة الشيطان في اللحظة نفسها، بل إن الإعلان النبوي يؤكد حتمية السقوط الإلهي.
بَابِلُ، اليونانية: Βαβυλὼν Babylōn وهذا سيكون لفظ هام في دراسة العدد. ولكن هنا لغويا أسم لشيء. فبابل في الكتاب المقدس ليست مجرد اسم جغرافي أو تاريخي. فبابل التاريخية كمملكة كانت رمزًا بارزًا لـلتالي: الكبرياء البشري، مقاومة الله، السلطة الإمبراطورية المتجبرة، الوثنية، الاضطهاد، وإغواء الأمم، والسيطرة والإقهار.
ولهذا فإن السؤال التفسيري الأساسي هو: هل «بابل» في رؤيا 14 تشير إلى المدينة التاريخية نفسها، أم إلى رمز لنظام عالمي أوسع؟ هناك اختلاف بين المفسرين، وسنعود إليه بعد قليل. لكن من المهم أن نلاحظ أن يوحنا يستخدم «بابل» في السفر كله بطريقة تتجاوز مجرد المدينة التاريخية؛ فـرؤيا 17–18 ستقدم وصفًا موسعًا لبابل، وعندئذ تصبح الصورة أكثر وضوحًا.
الْمَدِينَةُ الْعَظِيمَةُ، اليونانية: ἡ πόλις ἡ μεγάλη إي بوليس إي ميجالي المدينة العظيمة. هذه العبارة تتكرر في سفر الرؤيا بصورة لافتة. وكلمة πόλις – polis والتي تعني مدينة أو تجمع سكني وميجالي μεγάλη – megalē تعني عظيمة أو كبيرة أو ضخم أو عملاق. لكن «العظمة» هنا تحمل في سياق بابل مفارقة مهمة. بابل عظيمة في نظر العالم، لكنها ليست عظيمة أمام الله ويسقطها بسهولة. وهذا يتضح بصورة خاصة عندما نصل إلى رؤيا 18، حيث يتكرر وصف بابل باعتبارها "العظيمة"، ثم يأتي سقوطها المدوي. إذن هناك مفارقة بين: عظمة بابل أمام البشر وحكم الله على بابل وأن الرب سيجعل سقوطها هو العظيم. ثم يشرح سبب هذا العقاب.
"لأَنَّهَا سَقَتْ جَمِيعَ الأُمَمِ مِنْ خَمْرِ غَضَبِ زِنَاهَا" οτι εκ του οινου του θυμου της πορνειας αυτης πεποτικεν παντα εθνη الترتيب في اليوناني لفظيًا "لأنها من خمر عشق زناها هي سقت كل الأمم".
لأَنَّهَا ὅτι لأنها أو بسبب أو لأجل.
سَقَتْ، اليونانية: πεπότικεν من الفعل: ποτίζω – potizō يعني: يسقي، يعطي شرابًا، يجعل شخصًا يشرب. والفعل هنا في صيغة تامة، وهو أمر مهم لغويًا؛ إذ يشير إلى فعل حدث مستمر أو أصبح له أثر مستمر. الصورة إذن ليست أن بابل قامت بفعل شر عابر، بل أنها أوصلت الأمم إلى حالة مستمرة من الاشتراك في فسادها. بل هي تسقيهم هذا الشر والفساد، أي هي بؤرة لنشر العثرة والفساد والضلال. وبالطبع الكتاب أعلن الويل لمن تأتي منه العثرة " وَلكِنْ وَيْلٌ لِذَلِكَ الإِنْسَانِ الَّذِي بِهِ تَأْتِي الْعَثْرَةُ " (متى 18: 7). فهي ليست فقط تعثر بل تجعل العثرة كثيرة جدا مثل الشراب المسكر المستمر. وهذا يجعل استعارة «الخمر» أكثر قوة.
جَمِيعَ πάντα بانتا من باس πᾶς وتعني كل أو جميع أو كل واحد من.
الأُمَمِ، اليونانية: τὰ ἔθνη كلمة ἔθνη – ethnē يمكن أن تعني «الأمم» أو الشعوب. وشرحتها في الجزء السابق. وهي في التقسيم الرباعي أمم قبائل ألسنة شعوب. فأمم هي أكبر مستوى وهذا يوضح العمومية. وهنا نلاحظ اتساع تأثير بابل. العدد لا يتحدث عن سقوطها لأنها أضلت مجموعة صغيرة، بل لأنها: سقت جميع الأمم. فهي سبب ضلالة عالمية. وهذا يتناسب جدًا مع الصورة التي نجدها في رؤيا 17–18، حيث ترتبط بابل بالملوك والتجار والأمم وسكان الأرض.
مِنْ خَمْرِ، اليونانية: ἐκ τοῦ οἴνου أيك تو اوينو. والخمر هي من οἶνος – oinos الخمر/النبيذ. وهنا يبدأ يوحنا توضيح لشر بابل. فبابل ليست فقط تفعل الشر ولا تعلّم الأمم كيف يفعلوا الشر، بل تسقيهم الشر كالخمر. الصورة تشبه شخصًا يقدم شرابًا للآخرين لكي يشتركوا معه في الضلال باستمرار. وهذا يعكس لغة العهد القديم عن بابل والأمم. من أهم الخلفيات الكتابية هنا إرميا 51: 7: كَأْسُ ذَهَبٍ بَابِلُ فِي يَدِ الرَّبِّ، تُسْكِرُ كُلَّ الأَرْضِ. مِنْ خَمْرِهَا شَرِبَتِ الشُّعُوبُ، لِذَلِكَ جُنَّتِ الشُّعُوبُ. وهذه الخلفية مهمة للغاية لفهم رؤيا 14: 8.
غَضَبِ، اليونانية: τοῦ θυμοῦ θυμός – thymos هي من لفظ تنفس قوي وهي يمكن أن تعني: الغضب، السخط، الانفعال الشديد أو عشق ورغبة. واتماشى مع أغلب الترجمات التي كتبتها غضب رغم أنها احتمال تعني شهوة. لكن هنا تظهر مشكلة تفسيرية جميلة. فالعبارة يمكن أن تبدو لأول وهلة كأنها: خمر غضبها. أي أن بابل تعطي الأمم خمرًا ناتجًا عن غضبها. لكن تركيب العبارة في اليونانية أكثر تعقيدًا، لأن θυμός يرتبط بـ زناها من خلال الإضافة المتتابعة. غضب زناها. أو شهوة زناها.
زِنَاهَا اليونانية: τῆς πορνείας αὐτῆς πορνεία – porneia تعني حرفيًا: الزنى أو الفجور الجنسي. أو الإباحية. لكن في اللغة النبوية الكتابية، أصبحت كلمة الزنى استعارة عن: الخيانة الروحية، وعبادة الأوثان، والتحالف مع القوى الشريرة، وعدم الأمانة لله أو أي فعل ضد الله. وهذا واضح جدًا في الأنبياء، خصوصًا هوشع وإرميا وحزقيال. فعندما يوصف شعب الله بأنه زنى، فالمقصود ليس الزنى الجنسي الحرفي، بل الخيانة للعهد من خلال عبادة آلهة أخرى. وفي رؤيا يوحنا تتسع الصورة بحيث تصبح بابل قوة تغوي الأمم أيضًا. ليزنوا بعيدا عن الرب.
التعبير كله: «خَمْرِ غَضَبِ زِنَاهَا اليونانية: τοῦ οἴνου τοῦ θυμοῦ τῆς πορνείας αὐτῆς يمكن ترجمتها بصورة تفسيرية: من الخمر التي تمثل غضب/إغراء زناها. وهنا توجد مفارقة لغوية لافتة: الخمر تسكر، والزنى يغوي، والغضب يسبب حكم عقاب. وبالتالي يجمع يوحنا ثلاث صور في استعارة واحدة:
الخمر أي الإغراء والتأثير والسُّكر.
الزنى أي عدم الأمانة لله والوثنية والفساد الروحي.
الغضب أي شدة الانحراف أو العاقبة المرتبطة به.
التفسير
ثُمَّ تَبِعَهُ مَلاَكٌ آخَرُ قَائِلًا. كما وضحت في الجزء السابق هناك ثلاث تفسيرات للملاك الحامل الرسالة
التفسير الحرفي المستقبلي
يرى هذا الاتجاه أن يوحنا يتنبأ بحدث في نهاية الأزمنة: ملاك حقيقي سيعلن رسالة إلهية إلى العالم كله قبل الدينونة النهائية. وفق هذا الفهم: الملاك ملاك حقيقي. فالطيران في السماء حقيقي. فالإعلان عن سقوط بابل هو إعلان إلهي نهائي حقيقي. والعدد يفسر مضمون الرسالة. وهذا التفسير هو يأخذ لغة الرؤيا كما هي دون تحويل الملاك مباشرة إلى رمز لجماعة بشرية.
التفسير التاريخي
في بعض المدارس التفسيرية، اعتُبر رؤيا 14: 6-13 هو تصويرًا لمراحل من تاريخ الكنيسة، وربط بعض المفسرين «الملاك الثاني» مرحلة تاريخية. هذا التفسير يحاول قراءة الرؤيا باعتبارها: سلسلة من الأحداث عبر تاريخ الكنيسة، لا مجرد أحداث شمولية او مستقبلية. لكن المشكلة التفسيرية هي أن الانتقال من: ملاك طائر في وسط السماء ينذر بسقوط بابل، إلى: هذه الحركة التاريخية المحددة. يحتاج إلى أدلة تاريخية إضافية لا يوفرها ولا يؤيدها العدد نفسه.
التفسير الرمزي
يرى اتجاه آخر أن «الملاك» يمثل رسالة الله بطرق مختلفة. فالكتاب يستخدم الملائكة أحيانًا في الصور الرؤيوية للدلالة على أدوات الله في الإعلان. وفق هذا الفهم: الملاك = حركة الإعلان الإلهي فيعبر عن القوة والسرعة. والرسالة عن اعلان سقوط بابل هو سيكون هناك إنذارات واضحة عن سقوطها. وهذا ما اتفق معه.
سقطت! سقطت.
العدد لم يقل إن الرب سيسقطها بل سقطت، وهذا يوضح أن الرب سيجعلها تجني ثمار الخمر الذي يقود للترنح. بالطبع كل شيء بسماح من الرب ولا شيء يتم بغير موافقته ولكن الرب يترك الشرير يجني ثمرة أفعاله.
ما المقصود بـ«بابل»؟ وتصل للنقطة الأساسية في هذا الجزء. هناك عدة اتجاهات تفسيرية رئيسية. سأعرضهم كلهم وأوضح رأي ضعفي في الأخر.
التفسير الأول: بابل التاريخية
فيرى بعض المفسرين أن المقصود ينبغي أن يُفهم على خلفية بابل القديمة. وبابل كانت عدوًا تاريخيًا لشعب الله، وقد ارتبط اسمها بالسبي والوثنية والكبرياء والقهر. وهذا لا أقبله لأنه توجد مشكلة في المعنى التاريخي، بابل القديمة لم تكن في زمن يوحنا هي القوة العالمية التي تقوم بكل ما تصفه رؤيا 14–18. لذلك يرى كثير من المفسرين أن الاسم التاريخي أصبح رمزًا.
التفسير الثاني: روما الإمبراطورية
ويستشهدون بأن يوحنا كان يعيش في عالم الإمبراطورية الرومانية، ورؤيا 17 تستخدم صورًا تجعل كثيرًا من المفسرين يرون في بابل رمزًا لروما. لأن روما في القرن الأول كانت القوة الإمبراطورية العالمية التي تشبه بابل القديمة في الكبرياء، والسيطرة على الأمم، واضطهاد شعب الله، والقسوة. وبحسب هذا التفسير فأن بابل هي روما بوصفها القوة الإمبراطورية التي تجمع السلطة والسياسة والاقتصاد والوثنية واضطهاد شعب الله. وهذا يفسر لماذا استخدم يوحنا اسم بابل بدل أن يقول «روما» بصورة مباشرة. فبابل التاريخية أصبحت رمزًا نبويًا لروما. وهذا لا أقبله أيضًا.
التفسير الثالث: بابل كرمز لروما البابوية وليست التاريخية
وهذا التفسير أرفضه ولكن هذا التفسير تكرر كثيرا لمن يخالف روما. وبخاصة تفسيرات بروتستنتية وانجيلية، وهو أن «بابل» تشير إلى روما البابوية أو النظام الكنسي الذي تطور في روما. وبحسب هذا الاتجاه، فإن:
«الزنى» = الانحراف أو الارتداد الديني.
«الخمر» = التأثير الروحي المضلل.
«سقت جميع الأمم» = تأثير النظام الديني في الشعوب وتدخلها في السياسة.
«سقطت» = سقوط هذا النظام في الدينونة الإلهية.
فبعض التفاسير البروتستانتية، هي ربطت «بابل» تحديدًا بالسلطة البابوية. لكن هذا تفسير تاريخي طائفي محدود، وليس مقبول في رأيي ولا يتفق مع سياق الأعداد.
التفسير الرابع: بابل هي أورشليم.
وهذا هو التفسير رغم أنه غير مقبول ولكن يستحق اهتمامًا خاصًا، لأنه يختلف تمامًا عن التفسير الروماني. يرى بعض المفسرين أن «بابل» في سفر الرؤيا قد تكون رمزًا لأورشليم غير المؤمنة، وبخاصة أورشليم التي رفضت المسيح واضطهدت أتباعه. وهذا التفسير يعتمد على عدة ملاحظات: أولًا: رؤيا 11: 8 يقول يوحنا عن المدينة: المدينة العظيمة التي تُدعى روحيًا سدوم ومصر حيث صُلب ربنا أيضًا. وإذا كان المكان «حيث صُلب ربنا» هو أورشليم، فإن هناك في سفر الرؤيا استخدامًا لاسم رمزي لوصف أورشليم.
ثانيًا: لغة الزنى، فالعهد القديم يستخدم «الزنى» كثيرًا لوصف عدم أمانة أورشليم وإسرائيل لله.
ثالثًا: اضطهاد الأنبياء والقديسين، هذا الاتجاه يربط بابل أيضًا بأورشليم بوصفها المدينة التي قاومت أنبياء الله واضطهدت المؤمنين. وهناك بالفعل مفسرون معاصرون يأخذون هذا الاتجاه بجدية، وإن كان أقلية مقارنة بباقي التفسيرات.
لكن توجد مشكلة مهمة، إذا جعلنا بابل = أورشليم، فعلينا تفسير كيف يمكن أن تكون أورشليم قد سقت جميع الأمم، وهذه العبارة تبدو للعديد من المفسرين لا تناسب مدينة أورشليم. لذلك يبقى هذا التفسير ممكنًا عند بعض المدارس، لكنه لا يتفق مع السياق.
التفسير الخامس: الاتحاد الأوروبي أو أمريكا
الاتحاد الأوروبي: يربطه البعض ببابل بسبب فكرة الاتحاد السياسي والاقتصادي متعدد الدول، وبسبب محاولة ربطه بـالعشرة قرون في رؤيا 17 و«الوحش» في دانيال 7. لكن المشكلة أن النص لا يذكر بابل انها اتحاد مثل الاتحاد الأوروبي، كما أن إسقاط «العشرة قرون» مباشرة على عدد من الدول الأوروبية يتغير بتغير الظروف السياسية.
أمريكا: يربطها البعض ببابل بسبب القوة العالمية، والثروة الاقتصادية، والتأثير الثقافي والسياسي في الأمم، فهي حاليا أقوى دولة وةأكثر دولة تأثير اقتصادي على العالم. إضافة إلى محاولة ربطها ببعض الصور الرمزية في رؤيا 17–18. لكن لا يوجد في النص ما يسمح بتحديد أمريكا بالاسم، ولذلك فإن هذا التفسير يعتمد بدرجة كبيرة على كره لأمريكا. لا أرى أن لدينا أساسًا نصيًا كافيًا للقول إن «بابل» في رؤيا 14:8 هي تحديدًا أمريكا أو الاتحاد الأوروبي. فتحويل لرمز إلى دولة أو اتحاد معاصر بعينه يتجاوز ما يصرح به النص.
تفسير سادس: نظام عالمي معادٍ لله
وهذا تفسير أوسع. بحسبه، بابل ليست مدينة واحدة فقط، وإنما نظام عالمي موحد أو نظام حضاري عالمي يجمع السلطة والاقتصاد والعلم الموالي لهم والوثنية وإغراء الشعوب في مقاومة الله. وأضيف على هذا التفسير أن بابل لو يقصد به هذا النظام العالمي الذي يزداد تجمع للشر مثلما حدث في برج بابل حيث اجتمع العالم القديم على الشر قبل أن يبلبل الرب ألسنتهم. وهنا تصبح «بابل» أكثر من موقع جغرافي أو تاريخي. هي منظومة. وهذا التفسير ينسجم بشكل خاص مع رؤيا 17–18، لأن بابل ترتبط هناك بنظام عالمي مرتبط بكل من بالملوك أي الرؤساء، بالتجارة والتجار، بالغنى، بالسلع، بالنفوذ، بالأمم، وبإغواء سكان الأرض. بالتحكم في الكل حتى بيع وشراء الناس. وهنا يصبح «سقت جميع الأمم» ذو معنى اقتصادي وسياسي وديني وثقافي أيضًأ لهذا النظام العالمي الذي فيه مجموعة قليلة تتحكم في العالم.
فبهذا «بابل» ليست مدينة بعينها، وإنما رمز للحضارة أو النظام العالمي الذي يقوم على السلطة والثروة والإغراء والوثنية ومقاومة الله. وهذا يفسر لماذا تستطيع بابل أن: تسقي جميع الأمم. فهي ليست مدينة تؤثر جغرافيًا فقط، وإنما منظومة ذات تأثير عالمي.
فبابل هي كرمز لاتحاد عالمي سياسي اقتصادي ديني للارتداد عن الرب بطرق مباشرة وغير مباشرة. فيركز هذا التفسير على كلمة زناها فالمشكلة الأساسية في بابل ليست فقط السياسة أو الاقتصاد، بل الخيانة الروحية لله. ومن ثم تصبح بابل صورة لكل قوة أو منظومة أو حضارة تجعل الإنسان: يستبدل عبادة الله بعبادة العالم والقوة والمال والوثنية. وهذا التفسير يستفيد كثيرًا من خلفية الأنبياء. حيث يستخدم الأنبياء «الزنى» كصورة بعدم الأمانة للعهد مع الله. ولهذا أتماشى مع هذا التفسير جزئيًا ولكن ليس هذا تفسيري الكامل.
تفسير سابع: تفسير ضعفي
أضيف وهذا من رأيي وهو مكمل للسابق، ولكي لأشرحه أقدم سؤال: ما الذي يجعل بابل هي بابل في سفر الرؤيا؟ والجواب الذي يقدمه النص نفسه هو: إنها القوة التي تغوي الأمم، وتسكرهم بخمر زناها، وتقودهم بعيدًا عن عبادة الله، وترتبط بالسلطة والثروة والنفوذ العالمي؛ ولذلك يصدر عليها حكم الله في النهاية: «سقطت! سقطت بابل». أي هي بابل لأنها اغواء. فيكون السؤال المكمل ما الذي يجعل بابل هي بابل، هو من الذي يغوي؟ أي ما هو مصدر الاغواء من البداية للنهاية؟ الإجابة هو الشيطان.
فلهذا في رأيي أن بابل هي رمز للشيطان نفسه وليس مملكة محددة ولا اتحاد ولا نظام. أي الشيطان هو المقصود هنا. واعتقد سيتضح ذلك أكثر من دراسة رؤيا 17، لأن رؤيا 17 هي التي تعطينا أكبر قدر من المفاتيح لتحديد معنى «بابل»: المرأة، الزانية، الوحش صاحب السبعة رؤوس، العشرة قرون، فهو الذي وراء كل هذا. فهو الذي ليس فقط يحرك النظام العالمي في أواخر الأيام ضد الله بل هو باستمرار في أوجه مختلفة يحرك ضد الله وهو الذي يغوي من البداية. وبهذا يصبح الوصف يمكن أن ينطبق على كل قوى العالم المضطهِدة لله في كل العصور بكل شكل كان يحركه الشيطان. وفي عصرنا الحالي عدة أوجه منه الإسلام والإلحاد والإشتراكية واتحادات شريرة بأنواع مختلفة وضلالات أخرى كثيرة وبالتالي بابل هي الزنى الخمر سكر. أي الأمر هو هدفه الابتعاد عن الله. بل سيوضح كلامي عدد 9 الذي سيتكلم عن الوحش وهو الشيطان. وبهذا تصبح بابل ليست هل هي روما أم أورشليم أم بابل أم اتحاد عالمي بل هل كل هذا فهي أورشليم في وقت الصلب وهي روما في زمن يوحنا وهي النظام العالمي في الزمان الأخير. ولكن في الأصل هي الشيطان الذي وراء كل هذا. فبابل هي الشيطان. وفي رأيي لهذا في إشعياء 14 أثناء كلامه عن ملك بابل تحول للكلام عن الشيطان في نبوة " كَيْفَ سَقَطْتِ مِنَ السَّمَاءِ يَا زُهَرَةُ، بِنْتَ الصُّبْحِ؟ كَيْفَ قُطِعْتَ إِلَى الأَرْضِ يَا قَاهِرَ الأُمَمِ؟". بل وهذا يناسب ان رؤيا 14 هي صورة مضادة لرؤيا 13 وفي رؤيا 13 الأساس الذي يحرك الوحش البحري والأرضي هو التنين. فالتنين هو الذي وراء الوحش العالمي والوحش الأرضي أي ابن الهلاك وهو الذي يعطيهم هذا السلطان. فلهذا الذي يسقط هنا هو التنين الحية القديمة ابليس والشيطان.
لماذا يقول النص «سقطت» قبل وصف سقوطها الكامل؟ هذه من أهم النقاط في العدد. فيقول هنا سقطت سقطت بابل. لكن الوصف التفصيلي لسقوط بابل يأتي بصورة أكبر في رؤيا 17–18. وبخاصة 18 التي فيها تفصيل كيف يكون سقوطها، وكيف يبكي عليها الملوك والتجار، وكيف يفرح السماء بسقوطها. إذن يمكن أن نفهم 14: 8 باعتبارها إعلانًا مسبقًا للحكم. يوحنا يقدم النتيجة قبل أن يقدم التفاصيل. كما شرحت في عدة مرات في سفر الرؤيا. فرؤيا 14 تعمل هنا بصورة استباقية.
علاقة العدد برؤيا 14: 6–7 السياق القريب مهم جدًا. في العدد 6: إِنْجِيلًا أَبَدِيًّا لِيُبَشِّرَ السَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِ... وفي العدد 7: خَافُوا اللهَ وَأَعْطُوهُ مَجْدًا... وَاسْجُدُوا لِصَانِعِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ...ثم يأتي العدد 8: سقطت! سقطت بابل... هناك إذن تضاد واضح: الملاك الأول: يدعو الإنسان إلى عبادة الله. الملاك الثاني: يعلن سقوط النظام الذي يقود الإنسان بعيدًا عن الله. وبعبارة أخرى: العدد 7 يضع أمام الإنسان اختيار العبادة، والعدد 8 يكشف لمن سيرفض عبادة الرب ويختار الوحش ما هو مصير النظام الذي ينافس الله ويغوي الأمم بعيدًا عنه.
العلاقة بين 14: 8 و14: 9–11 وهذه العلاقة مهمة. العدد 8 يقول: بابل سقت جميع الأمم من خمر زناها. والعدد 9 يبدأ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَسْجُدُ لِلْوَحْشِ وَلِصُورَتِهِ، وَيَقْبَلُ سِمَتَهُ... إذن هناك تسلسل: بابل تغوي الأمم للشر، والإنسان يسجد للوحش فتأتي الدينونة. فالأعداد 8–11 ليست موضوعات منفصلة. بل تصف مسارًا واحدًا: الإغواء المشاركة في العبادة الكاذبة الدينونة. وهذا يجعل «خمر زناها» استعارة للانجذاب إلى منظومة بابل والمشاركة في قيمها وعبادتها.
العلاقة مع العدد 12. بعد إعلان الدينونة يأتي العدد 12: هُنَا صَبْرُ الْقِدِّيسِينَ. هُنَا الَّذِينَ يَحْفَظُونَ وَصَايَا اللهِ وَإِيمَانَ يَسُوعَ. رغم اضطهاد الشيطان لهم لأنهم رفضوا السمة. وهنا يظهر التباين الأخلاقي والروحي بوضوح: بابل: تسقي الأمم بخمر زناها. القديسون: يرفضون التنين ويحفظون وصايا الله وإيمان يسوع. إذن العدد 8 لا يتحدث فقط عن مصير بابل، بل يخدم أيضًا كخلفية لفهم دعوة المؤمنين إلى عدم الاشتراك في منظومتها الشيطانية.
العلاقة مع رؤيا 18. إذا كان رؤيا 14: 8 يقدم الإعلان المختصر، فإن رؤيا 18 تقدم التفصيل الموسع. ففي رؤيا 18 نجد: سقوط بابل، حزن الملوك، حزن التجار، ثروتها، تأثيرها العالمي، ثم فرح السماء بسقوطها. وهنا تتضح نقطة مهمة: بابل في رؤيا يوحنا ليست مجرد قوة مكانية بل قوة الشيطان الذي له تأثير عالمي شامل. ولهذا يقول رؤيا 14: 8: سقت جميع الأمم. ثم في رؤيا 18 تظهر آثار ذلك التأثير في السياسة والاقتصاد والتجارة والثقافة.
الخلفية في العهد القديم
إشعياء 21: 9 سَقَطَتْ، سَقَطَتْ بَابِلُ» وهذه هي الخلفية الأقرب لعبارة يوحنا. ولها علاقة بالشيطان وهذا ما قاله اغسطينوس في تعليقه على هذا العدد في إشعياء عندما قال " بالحب تسقط بابل الداخلية وتنهار مملكة إبليس الذي لا يحتمل الحب، وبه نتمتع بالحياة الإنجيلية كوصية الرب".
إرميا 51: 7. يقول عن بابل: كَأْسُ ذَهَبٍ... تُسْكِرُ كُلَّ الأَرْضِ. وهذه الخلفية تفسر بصورة ممتازة لماذا يستخدم يوحنا صورة الخمر. وفي إرميا 51 يقدم أيضًا صورة سقوط بابل وحكم الله عليها. وهكذا يجمع يوحنا عناصر نبوية قديمة: بابل + الخمر + الأمم + السقوط + دينونة الله. ويعيد تركيبها داخل رؤيته الأخروية.
ما المعنى اللاهوتي الأساسي للعدد؟
يمكن تلخيص الرسالة في أربعة مستويات. بابل تغوي "سقت جميع الأمم". أي أنها لا تمارس الشر لنفسها فقط، بل تجعل الآخرين يشتركون فيه. بابل ذات تأثير عالمي "جميع الأمم". فالشر في هذا النص ليس مجرد انحراف فردي، بل قوة الشيطان ذات تأثير جماعي وحضاري. الله سيحكم على بابل "سقطت سقطت". مهما بلغت بابل من قوة وتأثير، فإن عظمتها ليست نهائية. أمانة المؤمنين تصبح ضرورة لأن العددين 9–12 يبينان أن الإنسان أمام اختيار: إما أن يشترك في عبادة الوحش ومنظومة بابل، أو يبقى أمينًا لله.
فالملاك الثاني يعلن بصورة نبوية مؤكدة أن «بابل» بوصفها رمزًا للقوة التي تعادي الله وتغوي الأمم وتدفعها إلى الخيانة الروحية قد صدر عليها حكم الله، وأن سقوطها حتمي. حيث تظهر بابل كأسًا الخطية تُسكر الأمم. أما «زناها» فترتبط بالاستعمال النبوي للزنى باعتباره صورة للخيانة الروحية وبالعد عن الله. وفي سياق رؤيا 14، يأتي إعلان سقوط بابل مباشرة بعد دعوة الأمم إلى عبادة الله، وقبل التحذير من عبادة الوحش؛ لذلك يشكل العدد جزءًا من مواجهة بين طريقين: طريق عبادة الله والثبات في الإيمان، وطريق الاشتراك في منظومة بابل والوحش، التي مهما بدت عظيمة وعالمية في رؤيا 13 فإن نهايتها هي السقوط والدينونة في رؤيا 14.
واللافت جدًا أن رؤيا 14: 6–12 لا تقدم مجرد ثلاثة أحداث منفصلة، بل ترسم صراعًا على العبادة: الملاك الأول يقول «اسجدوا للخالق»، والملاك الثاني يعلن سقوط بابل، والملاك الثالث يحذر من السجود للوحش؛ ثم يأتي العدد 12 ليعلن هوية المنتصرين روحيًا: «هنا صبر القديسين». وهذا يجعل العدد 8 حلقة مركزية بين الدعوة إلى العبادة الحقيقية والتحذير من اتباع الشيطان. هذا الصراع يدور حول خلاصك فعندما تقف في أي موقف حتى لو يبدوا موقف تجاري بسيط أو علاقات بسيطة ولكن يكون امامك اما أن تختار بابل أو اتباع الرب فإيهما تختار؟
والمجد لله دائمًا