الموقع الرسمي للدكتور غالي

أَهْلَكَتْنِي غَيْرَتِي، لأَنَّ أَعْدَائِي نَسُوا كَلاَمَكَ. كَلِمَتُكَ مُمَحَّصَةٌ جِدًّا، وَعَبْدُكَ أَحَبَّهَا. صَغِيرٌ أَنَا وَحَقِيرٌ، أَمَّا وَصَايَاكَ فَلَمْ أَنْسَهَا. مزمور 119: 139 – 141

الاصحاح الرابع عشر من سفر الرؤيا عدد 6 و7 وبشارة الملاك الأول

تاريخ الإعداد:

الشاهد:

الاصحاح الرابع عشر من سفر الرؤيا عدد 6 و7 وبشارة الملاك الأول

د. غالي

3 نوفمبر 2026

مقدمة

بدأنا في الإصحاح الرابع عشر. وهو سينقسم إلى:

من 1-5 الحمل والمؤمنين والمتمسكين به.

من 6-13 الثلاث ملائكة للتبشير والتحذير.

من 14-20 مناجل الحصاد.

وبعد ان عرفنا ان الحمل الرب يسوع له كل المجد هو الواقف على جبل صهيون في وسط كنيسته يعطيها ثبات ويقودها للسماوات وحوله أصوات قوية تسبيح وانذار والمؤمنين معه مسبحين بقيثاراتهم. وعرفنا ان الجديد في الترنيمة هو الخبرة. وعرفنا معنى ال 144,000 وأنه رقم رمزي يشير لجماعة الرب. وعرفنا معنى الأطهار والباكورة وكيف أن الإصحاح يقدم صورة عكسية للذين اتبعوا الوحش. ثم يبدأ من عدد 6 ويتكلم عن ثلاث ملائكة بثلاثة رسائل. ونبدأ ندرس بشارة الملاك الأول:

6 ثُمَّ رَأَيْتُ مَلاَكًا آخَرَ طَائِرًا فِي وَسَطِ السَّمَاءِ مَعَهُ بِشَارَةٌ أَبَدِيَّةٌ، لِيُبَشِّرَ السَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِ وَكُلَّ أُمَّةٍ وَقَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ،

هذا العدد من رؤيا 14:6 غني من الناحية اللغوية واللاهوتية، ولا سيما لأن يوحنا لا يقول فقط إن «الإنجيل يُكرز به»، بل يستخدم تركيبًا لغويًا دقيقًا يربط الإنجيل الأبدي، والعالم كله، ودينونة الله، وعبادته. ولهذا سأقسم الدراسة إلى:

النص اليوناني وتحليله.

التفسيرات الرئيسية للعدد. وربط العدد بسياقه المباشر، خاصة 14: 6–13.

أولًا: النص اليوناني لرؤيا 14: 6 هو:

Καὶ εἶδον ἄλλον ἄγγελον πετόμενον ἐν μεσουρανήματι, ἔχοντα εὐαγγέλιον αἰώνιον εὐαγγελίσαι ἐπὶ τοὺς καθημένους ἐπὶ τῆς γῆς καὶ ἐπὶ πᾶν ἔθνος καὶ φυλὴν καὶ γλῶσσαν καὶ λαόν.

ويمكن ترجمته حرفيًا تقريبًا:

«ثم رأيت ملاكًا آخر طائرًا في وسط السماء، حاملًا إنجيلًا أبديًا ليبشّر الساكنين على الأرض، وعلى كل أمة وقبيلة ولسان وشعب.»

ثم رأيت Kai eidon Καὶ εἶδον

καί و/ثم وهب للإضافة.

εἶδον رأيت الفعل εἶδον إيدون هو صيغة الماضي من فعل «يرى»، ويستعمل يوحنا كثيرًا في سفر الرؤيا للدخول من مشهد رؤيوي إلى مشهد آخر. وتوضيح أنه شاهد عيان من الرؤيا. واللافت أن καί يمكن أن تكون ببساطة «و» الأضافة البسيطة، لكن السياق السردي يجعلها تحمل معنى التعاقب: «ثم رأيت...» وهذا مهم لأن العدد لا يأتي منفصلًا، بل يأتي بعد المشهد السابق مباشرة في 14: 1–5 الضاربين بالقيثارة.

ملاكًا آخرallon angelon ἄλλον ἄγγελον

ἄλλον الون تعني «آخر»، وهي من ἄλλος، أي «آخر من النوع نفسه/آخر بالإضافة إلى السابق».

فرغم أنه أول ملاك من الثلاثة ملائكة ولكن هو يكمل المشهد السابق. هناك مسألة نصية مهمة هنا: بعض المخطوطات القديمة تحذف كلمة ἄλλον («آخر»)، بينما القراءة التقليدية التي تتضمنها لها تأييد مخطوطي قوي، ولذلك ترجمتها معظم الترجمات الحديثة. وهذا يفتح سؤالًا مهمًا: هل المقصود ملاك حرفي بالفعل، أم أن الملاك يمثل رسالة أو جماعة أو خدامًا؟ وهنا تبدأ التفسيرات المختلفة التي سنعود إليها.

angelon ἄγγελον ملاك أو مرسل أو الرسالة. وشرحت معاني كلمة انجيلوس سابقًا.

طائرًا في وسط السماء πετόμενον ἐν μεσουρανήματι. هذه من أكثر العبارات أهمية في العدد.

πετόμενον بيتومينون من πέτομαιبيتوماي، أي: يطير / طائرًا. وهي صيغة اسم فاعل، أي أن يوحنا يرى الملاك في حالة طيران.

وسط السماء ἐν μεσουρανήματι إين ميسورانيماتي وهي من μεσουράνημα mesouranēma وتعني: «منتصف السماء» أو «المنطقة الوسطى من السماء».

ولهذا نجد ترجمات ترجمتها في وسط السماء، في منتصف السماء، في السماء مباشرة فوق الأرض، في الجو. والكلمة نفسها تظهر في رؤيا 8: 13 في عبارة مشابهة. وتشرح ملاحظات NET أن المقصود منطقة من السماء فوق الأرض، أي مكان يجعل الصوت/الرسالة في موضع إعلان عام في السماء مرئي أو مسموع على الأرض. وهذا لهم أهمية في المعنى، فالموقف ليس لملاك يتحدث سرًا إلى شخص واحد. إنه يطير في وسط السماء. أي إن المشهد يصور إعلانًا ذا نطاق سماوي وعلني. وهذا يتوافق تمامًا مع نهاية العدد: «إلى كل أمة وقبيلة ولسان وشعب». فالمكان نفسه بهذا الوصف اليوناني يخدم فكرة عالمية الإعلان.

معه بشارة/إنجيل أبديεὐαγγέλιον αἰώνιον إيفانجيليون أيونيون

هذه عبارة لغوية مهمة في العدد. εὐαγγέλιον euangelion تعني: البشارة، الخبر السار، الإنجيل، الخبر المفرح. ومنها جاءت كلمة: Evangel / Evangelical أي إنجيلي وهو من فعل εὐαγγελίζω euangelizō أي: يبشر، يعلن الخبر السار، ينقل البشارة. الذي يأتي بعدها بشارة ليبشر. فمن اللافت أن العدد يستخدم الاسم والفعل معًا εὐαγγέλιον εὐαγγελίσαι

أي إنجيلًا أي بشارة ليبشّر أو ليعلن البشارة. وهذا يعطي العبارة قوة لغوية: هناك رسالة، وهذه الرسالة يجب إعلانها. أي بشارة يجب التبشير بها.

أبدي aiōnion αἰώνιον من αἰών، ويمكن أن يدل بحسب السياق على معنى الدهر العصر الأبد ما ينتمي إلى الدهر/الزمن الآتي ما هو دائم أو أبدي. ولهذا تترجم الكلمة هنا: أبدي أو: دائم/خالِد. وتوجد ترجمات تحاول إبراز معنى «الذي يستمر إلى الدهر».

ليبشر euangelisai εὐαγγελίσαι. هو مصدر منصوب بعد ἔχοντα، ويمكن فهمه: حاملًا إنجيلًا أبديًا لكي يبشّر. فالملاك لا يحمل الإنجيل لمجرد امتلاكه. هناك هدف من حمل الرسالة وهو الإعلان. وهذا عنصر أساسي في التفسير. فالعدد لا يقول فقط إن «الإنجيل موجود في نهاية الأزمنة»، بل يصور إعلانًا موجّهًا إلى البشر.

الساكنين على الأرض τοὺς καθημένους ἐπὶ τῆς γῆς

هذه عبارة تحتاج تركيز.

τοὺς ضمير

الساكنين Καθημένους كاثيمينوس من: κάθημαι — kathēmai أي: يجلس / يقيم / يستقر. لذلك الترجمة الحرفية يمكن أن تكون: الذين يجلسون على الأرض. لكن المعنى الطبيعي: الساكنين على الأرض. بمعنى المقيمين على الأرض. والعدد لا يستخدم فقط تعبيرًا مثل «البشر»، بل: الساكنين على الأرض. وهذا التعبير له أهمية خاصة في سفر الرؤيا. فـالذين يسكنون على الأرض يمكن أن تكون في الرؤيا تسمية لسكان العالم البشري في مقابل السمائيين، واليهودية مقابل العالم كأرض وبحر وأحيانًا تحمل معنى سلبي لأنها تصف الذين ينتمون إلى «الأرض» في موقفهم الروحي فهم أرضيين ماديين وليسوا ينتمون للسماء. لكن في 14: 6، لا ينبغي أن نفترض أن كل استعمال لـساكني الأرض يعني بالضرورة أن كل فرد منهم هالك أو رافض لله. لماذا؟ لأنهم هنا مخاطَبون بالبشارة. وهذا مهم جدًا. فلهذا المعنى الأول هو الأصح.

وكل أمة πᾶν ἔθνος ethnos تعني: أمة شعب جماعة قومية في بعض السياقات تعني أمميين Gentiles. ومنها كلمة: ethnic / ethnicity أي عرقي/إثني. لكن في رؤيا 14: 6 لا يصح اختزالها في العرق بالمعنى الحديث. الأفضل: كل جماعة قومية/أمة. لأن معها كلمة:πᾶν كل فهو ليست بعض الأمم كبعض الأعراق، بل: كل أمة. فيقصد الاشتمال.

وقبيلة phylē φυλή وتعني: قبيلة، عشيرة، جماعة نسبية. وتستخدم في الكتاب المقدس خصوصًا للدلالة على مجموعات ترتبط بالنسب أو الانتماء القبلي. وبذلك ينتقل النص من مستوى: الأمة الشمولي إلى مستوى أكثر تفصيلًا: القبيلة أكثر تقسيما من أمة فالأمة تحتوي على عدة قبائل.

ولسان glōssa γλῶσσα المعنى الأساسي: اللسان. لكنها تستخدم أيضًا بمعنى: اللغة. وهذا هو المعنى الواضح هنا. ولهذا تختلف الترجمات بين: لسان ولغة. والاختيار ليس مجرد اختلاف أسلوب. فيوحنا يريد أن يؤكد أن الرسالة تتجاوز الحواجز اللغوية.

وشعبlaos λαός تعني: شعب، جماعة من الناس.

وهنا يصبح لدينا تسلسل رباعي: أمة قبيلة لسان شعب. وهذا التركيب ليس مجرد تكرار أدبي بلا معنى. إنه طريقة يوحنا في التعبير عن الشمول. والتركيب الرباعي نفسه يظهر في أماكن أخرى في سفر الرؤيا، مثل رؤيا 5: 9، حيث يتحدث عن شراء أناس لله «من كل قبيلة ولسان وشعب وأمة».

لماذا أربعة تعبيرات: أمة، قبيلة، لسان، شعب؟ هذه نقطة مهمة. لو كان يوحنا يريد فقط القول: كل الناس، لكان يستطيع التعبير بصورة أبسط. لكنه يختار سلسلة: أمة + قبيلة + لسان + شعب والتكرار هنا يؤدي وظيفة بلاغية. إنه يشبه أن يقول: بغض النظر عن الانتماء القومي، أو القبلي، أو اللغوي، أو الاجتماعي، الرسالة موجهة إلى الجميع بلا استثناء. إذن التركيب له وظيفة لتأكيد الشمولية.

ونلاحظ أن الترجمات الإنجليزية المختلفة تحافظ تقريبًا على هذه البنية الرباعية، مع اختلاف بسيط في ترجمة «γλῶσσα» إلى tongue/language و«λαός» إلى people.

التفسير

ما المقصود إذن بـالإنجيل الأبدي؟

هناك ثلاثة احتمالات تفسيرية رئيسية:

الاحتمال الأول: الإنجيل الذي مضمونه أبدي. أي أن الرسالة ليست بدعة مؤقتة أو رسالة جديدة تظهر في نهاية التاريخ. بل إنها البشارة الثابتة التي لا تتغير.

الاحتمال الثاني: الإنجيل الذي نتائجه أبدية. أي البشارة المتعلقة بالخلاص الأبدي وحكم الله الأبدي.

الاحتمال الثالث: الإنجيل المرتبط بالدهر الآتي. بمعنى أن الإعلان يتعلق باللحظة التي يقترب فيها الدينونة والحكم الإلهي والملكوت النهائي. وهذا الاحتمال الثالث يصبح مهمًا جدًا عند قراءة العدد 6 مع العدد 7، لأن محتوى «البشارة الأبدية» يُشرح مباشرة في كلام الملاك: «خافوا الله وأعطوه مجدًا، لأن ساعة دينونته قد جاءت، واسجدوا لصانع السماء والأرض والبحر وينابيع المياه.» إذن لا ينبغي أن نفصل «الإنجيل الأبدي» عن العدد 7.

هنا نصل إلى قلب المسألة. لو أخذنا رؤيا 14: 6 وحدها، قد نتصور أن الإنجيل الأبدي يعني ببساطة: رسالة الخلاص بيسوع المسيح. وهذا تفسير ممكن. لكن العدد 7 يشرح محتوى الإعلان: خافوا الله وأعطوه مجدًا، لأن ساعة دينونته قد جاءت، واسجدوا للذي صنع السماء والأرض والبحر وينابيع المياه. إذن البشارة هنا ليست مجرد: البشرة السارة المعروفة عن محبة الله. وليست مجرد رسالة الخلاص. بل هي إعلان يتضمن:

الله هو المستحق للخوف/التوقير.

الله هو المستحق للمجد.

ساعة الدينونة قد جاءت.

الله هو الخالق والديان وحده.

لذلك يجب أن تكون العبادة لله لا للوحش. وهذا يصبح أكثر وضوحًا إذا قرأنا رؤيا 14 في ضوء الإصحاح 13. فلهذا العلاقة بين رؤيا 13 ورؤيا 14 هذا هو المفتاح لفهم النص. في رؤيا 13 يظهر:

الوحش.

سلطان الوحش.

السجود للوحش.

صورة الوحش.

سمة الوحش.

إكراه سكان الأرض على اتباع نظام الوحش.

ثم يأتي رؤيا 14 ويضع أمام القارئ الطرف المقابل.

في 14: 7: «اسجدوا للذي صنع السماء والأرض والبحر وينابيع المياه.»

لاحظ التباين: رؤيا 13 سجدوا للوحش.

رؤيا 14 اسجدوا للخالق.

إذن القضية الأساسية ليست مجرد ملاك منذر، إنها إعلان لمن تكون العبادة.

الثلاثة ملائكة في رؤيا 14:6–12

يمكننا أن نرى الرسائل الثلاث كتصاعد متتابع.

الملاك الأول 14: 6–7 يحمل: إنجيلًا أبديًا ومحتوى الإعلان: خافوا الله... أعطوه مجدًا... اسجدوا للخالق.

الملاك الثاني 14: 8يعلن: «سقطت، سقطت بابل العظيمة.» والتكرار: Ἔπεσεν, ἔπεσεν أي: سقطت، سقطت يعطي الإعلان قوة وحسمًا.

الملاك الثالث 14: 9–11يحذر من: عبادة الوحش وصورته وقبول سمته.

وهكذا نجد البناء:

الملاك الأول: اعبدوا الله.

الملاك الثاني: بابل ستسقط.

الملاك الثالث: لا تعبدوا الوحش.

ثم يأتي العدد 12: هنا صبر القديسين

إذن الرسائل الثلاث ليست منفصلة. إنها وحدة لاهوتية.

ما هي التفسيرات المختلفة لرؤيا 14:6؟

يمكن تقسيم التفسيرات إلى عدة اتجاهات رئيسية.

التفسير الحرفي المستقبلي

يرى هذا الاتجاه أن يوحنا يتنبأ بحدث في نهاية الأزمنة: ملاك حقيقي سيعلن رسالة إلهية إلى العالم كله قبل الدينونة النهائية. وفق هذا الفهم: الملاك ملاك حقيقي. فالطيران في السماء حقيقي. فالإعلان عالمي. «الإنجيل الأبدي» إعلان إلهي نهائي حقيقي. والعدد 7 يفسر مضمون الرسالة. وهذا التفسير هو يأخذ لغة الرؤيا كما هي دون تحويل الملاك مباشرة إلى رمز لجماعة بشرية.

التفسير التاريخي

في بعض المدارس التفسيرية، اعتُبر رؤيا 14: 6 تصويرًا لمراحل من تاريخ الكنيسة، وربط بعض المفسرين «الملاك الأول» مرحلة تاريخية في انتشار الإنجيل. هذا التفسير يحاول قراءة الرؤيا باعتبارها: سلسلة من الأحداث عبر تاريخ الكنيسة، لا مجرد أحداث شمولية او مستقبلية. لكن المشكلة التفسيرية هي أن الانتقال من: ملاك طائر في وسط السماء، إلى: هذه الحركة التاريخية المحددة. يحتاج إلى أدلة تاريخية إضافية لا يوفرها ولا يؤيدها العدد نفسه.

التفسير الرمزي

يرى اتجاه آخر أن «الملاك» يمثل رسالة الله بطرق مختلفة بما فيها العاملين في نشر الإنجيل. فالكتاب يستخدم الملائكة أحيانًا في الصور الرؤيوية للدلالة على أدوات الله في الإعلان. وفق هذا الفهم: الملاك = حركة الإعلان الإلهي فيعبر عن القوة والسرعة. و: الطيران في وسط السماء = فالطيران يعبر عن السمو ووسط السماء يعبر عن الانتشار العلني الواسع السريع. و: كل أمة وقبيلة ولسان وشعب = رمز يؤكد عالمية الرسالة. وهذا النوع من القراءة موجود في بعض الشروحات القديمة والحديثة، حيث فُهم الملاك باعتباره صورة لسرعة وانتشار الكرازة أو للخدام الذين ينادون بالإنجيل. وهذا ما اتفق معه ولكن يكمله التالي.

التفسير المستقبلي

وهو مكمل للسابق الذي يركز على «إنجيل الدينونة» وهذا تفسير مهم جدًا.

البعض يقول: لماذا يسمي النص رسالة عن الدينونة «إنجيلًا»؟

الجواب: لأن الدينونة نفسها خبر سار بالنسبة لشعب الله. إذا كان العالم خاضعًا للوحش وبابل، فإن إعلان: «ساعة دينونته قد جاءت» يعني أيضًا: انتهى سلطان الشر. ومن هنا يمكن أن يكون الإنجيل الأبدي هو: الإعلان الأبدي أن الله هو الملك وأن شر العالم سيُدان مهما تمادى وأن العبادة الصحيحة يجب أن تعود إلى الخالق. وهذا يتناسب بقوة مع سياق رؤيا 13–14.

هل الإنجيل الأبدي هو نفس إنجيل الخلاص بالمسيح؟

هنا يجب أن نكون دقيقين. من ناحية كتابية عامة: نعم، لأنه لا يوجد إنجيلان متناقضان. فحتى الإنجيل من وقت الرب يسوع كان ينادي بتوبوا لأنه اقترب ملكوت السماوات "وَيَقُولُ: «قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ»." (مرقس 1: 15). لكن من ناحية المحتوى المباشر في رؤيا 14: 6–7، يوحنا لا يشرح الإنجيل بعبارات مثل: موت المسيح وقيامته. كما نجد مثلًا في 1 كورنثوس 15. بل يشرح الرسالة بواسطة: خافوا الله، أعطوه مجدًا، لأن ساعة دينونته جاءت، واسجدوا للخالق. لذلك الأفضل ألا نقول: رؤيا 14: 6 وحدها هي تعريف كامل للإنجيل المسيحي. بل نقول: رؤيا 14: 6–7 تقدم جزء من البشارة مختصة بالنهاية او في صورتها الأخروية: إعلان سلطان الله، ودينونته، ودعوة العالم إلى عبادته قبل الدينونة. وهذا أكثر دقة.

لماذا يقول «كل أمة وقبيلة ولسان وشعب»؟

هذه العبارة تحمل مفارقة مهمة في السفر. ففي رؤيا 13 نجد قوة الوحش تمتد إلى: كل قبيلة وشعب ولسان وأمة. وفي رؤيا 14 نجد الإعلان الإلهي يصل إلى: كل أمة وقبيلة ولسان وشعب بطريقة سماوية أوضح. وهو ترتيب عكسي فالشيطان من القليل يتسلل للكثير والسيطرة لأنه يهمه العدد وليس الفرد. أما الرب من الأمم إلى أصغر جماعة لأنه يهمه كل فرد وليس العدد. أي أن يوحنا يرسم مواجهة عالمية بين سلطان الوحش وإعلان الله. الوحش يريد أن يفرض عبادته على العالم. أما الله فيعلن دعوته للعالم. وهذا يجعل رؤيا 14: 6 جزءًا من صراع أكبر: العبادة الزائفة مقابل العبادة الحقيقية.

«الإنجيل» في مواجهة «سمة الوحش»

يمكن تلخيص المشهد بهذه الطريقة:

جانب الله جانب الوحش

إنجيل أبدي نظام عالمي مضاد لله

كل أمة وقبيلة ولسان وشعب سلطان على الأمم

اعبدوا الخالق اعبدوا الوحش

أعطوا الله مجدًا مجد للوحش

ساعة الدينونة سلطان الوحش

الثبات الضغط على المؤمنين

وصايا الله مطالب الوحش

وهنا يصبح العدد 6 مفتاحًا لفهم الفصل: قبل أن تأتي الدينونة، يأتي الإعلان. وهذا مبدأ مهم جدًا في سفر الرؤيا.

ولكن سؤال هام وهو هل «الإنجيل الأبدي» يعني أن فرصة الخلاص تستمر إلى آخر لحظة ليخلص الجميع؟

هذا استنتاج غير دقيق عند بعض التفسيرات، فيجب عدم تحميل العدد أكثر مما يقول. فالعدد يقول إن هناك: إعلانًا عالميًا قبل اكتمال الدينونة. لكن لا يقول صراحة في 14: 6: سيؤمن الجميع. ولا يقول: الجميع سيخلصون. بل العكس، الآيات التالية تتحدث عن سقوط بابل وعن دينونة الذين يعبدون الوحش. إذن: عالمية الإعلان لا تعني عالمية الاستجابة. وهذه نقطة لاهوتية هامة. بل هناك ارتباط واضح جدًا بين 14: 6 و14: 7: في 6 الإنجيل الأبدي يُعلن. ثم في 7 «لأن ساعة دينونته قد جاءت.» إذن الإعلان يأتي في سياق اقتراب الدينونة. ثم 14: 8: سقطت بابل. ثم 14: 9: التحذير من عبادة الوحش. ثم 14: 12: ثبات القديسين. إذن التسلسل هو: إعلان دينونة سقوط بابل تحذير من الوحش ثبات القديسين. وهذا أقوى من أن نأخذ الآية باعتبارها مجرد وعد عام بانتشار الكرازة. بل ما يوضح ذلك أكثر هو علاقة رؤيا 14: 6 بمتى 24: 14. فهناك تشابه مهم جدًا: في متى ويكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادة لجميع الأمم، ثم يأتي المنتهى.» أي البشارة، كل المسكونة، جميع الأمم، النهاية. ولكن قليلون هم الذين يخلصون (لوقا 13: 23-30) وفي رؤيا 14: 6–7 نجد: الإنجيل الأبدي، كل أمة وقبيلة ولسان وشعب، ساعة الدينونة. فيوحنا لا يقتبس متى 24: 14 حرفيًا؛ ولكن هو يقدم بإرشاد الروح القدس نفس الفكرة الأخروية.

والخلاصة التفسيرية

إذا جمعنا كل العناصر اللغوية والسياق، يمكن صياغة معنى رؤيا 14: 6 هكذا: يرى يوحنا ملاكًا آخر في موضع سماوي ظاهر، يحمل رسالة إلهية دائمة ذات طبيعة بشارية، ومهمتها إعلان دعوة الله للعالم كله، بلا استثناء قومي أو قبلي أو لغوي أو اجتماعي، في اللحظة التي تقترب فيها الدينونة النهائية. ارجعوا إلى الله، خافوه، أعطوه المجد، واعبدوا الخالق، لأن زمن الدينونة قد وصل. وبالتالي فـ«الإنجيل الأبدي» في هذا السياق ليس رسالة منفصلة عن إنجيل المسيح، ولكنه الإعلان الأخير للإنجيل في مواجهة عبادة الوحش وسلطان بابل.

فرؤيا 14: 6 تصوّر إعلانًا إلهيًا عالميًا وأبديًا، يُوجَّه إلى كل فئات البشر، ويدعوهم إلى العودة إلى عبادة الله الخالق قبل الدينونة، بينما يضع السياق الإعلان في مواجهة مباشرة مع بابل والوحش وعبادتهما. والنقطة المهمة هي أن 14: 6 لا ينبغي تفسيرها منفصلة عن 14: 7–12؛ فالعدد 6 يقول ماذا يُعلن، والعدد 7 يشرح مضمون الإعلان، والعددان 8–11 يوضحان لماذا الإعلان عاجل، والعدد 12 يبين ما هي الاستجابة المطلوبة من شعب الله.

7 قَائِلًا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «خَافُوا اللهَ وَأَعْطُوهُ مَجْدًا، لأَنَّهُ قَدْ جَاءَتْ سَاعَةُ دَيْنُونَتِهِ، وَاسْجُدُوا لِصَانِعِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَالْبَحْرِ وَيَنَابِيعِ الْمِيَاهِ».

رؤيا 14: 7 هي في الحقيقة المفتاح لتحديد مضمون «البشارة الأبدية» المذكورة في العدد 6؛

العدد اليوناني

λέγοντι ἐν φωνῇ μεγάλῃ· Φοβήθητε τὸν θεόν καὶ δότε αὐτῷ δόξαν, ὅτι ἦλθεν ἡ ὥρα τῆς κρίσεως αὐτοῦ, καὶ προσκυνήσατε τῷ ποιήσαντι τὸν οὐρανὸν καὶ τὴν γῆν καὶ θάλασσαν καὶ πηγὰς ὑδάτων.

وترجمة بناء على ترتيب اليونانية: «قائلًا بصوت عظيم: خافوا الله وأعطوه مجدًا، لأن ساعة دينونته قد جاءت، واسجدوا للذي صنع السماء والأرض والبحر وينابيع المياه.»

قائلًا بصوت عظيم λέγοντι ἐν φωνῇ μεγάλῃ. λέγοντι ليجونتي من الفعل: λέγω legō أي: يقول / يتكلم / يعلن. وهنا اسم فاعل، ولذلك تترجم قائلًا. وهي مرتبطة بالملاك في العدد 6. إذن المشهد مستمر 6 رأيت ملاكًا... 7 قائلًا... أي أن الكلام في العدد 7 هو محتوى الرسالة التي يحملها الملاك في العدد 6. وهذه نقطة تفسيرية مهمة.

ἐν φωνῇ μεγάλῃ اين فوني ميجالي وتعني بصوت عالي أو بصوت صخب أو بصوت عظيم.

φωνή phōnē تعني: صوت، نداء، إعلان، صوت مسموع. ومنها جاءت كلمات مثل: phonetics / phonology أي علم الأصوات.

μεγάλη megale من: μέγας — megas أي: عظيم / كبير / قوي. فيوحنا لا يقول إن الملاك قال الكلام فقط، وإنما: أعلنه بصوت عظيم. أي مسموع للجميع. وهذا يتناسب مع ما جاء في العدد 6: الملاك طائر في وسط السماء. أي مرئي لكل البشر. إذن لدينا عنصران متكاملان:

المكان: وسط السماء، فهو مرئي بوضوح.

الصوت: صوت عظيم، فهو مسموع بوضوح.

والنتيجة إعلان عالمي علني لا رسالة سرية أو محدودة. فهذا استمرار لتأكيد ان هذه البشارة ستصل للكل بطريقة أو بطرق واضحة. لذلك أنت بلا عذر أيها الإنسان (رو 2: 1).

خافوا الله Φοβήθητε τὸν θεόν هذه العبارة هي مركز العدد. Φοβήθητε من: φοβέομαι phobeomai ومعناه يمكن أن يكون: يخاف، يرتعب، يهاب، يوقر، يخشى. وهنا توجد نقطة مهمة. الكلمة لفظيا لا تعني بالضرورة «الخوف والرعب» فقط. ولكن في الكتاب المقدس لله عادة تدل على: الرهبة المقدسة، التوقير، الاعتراف بعظمة الله وسلطانه. أي مخافة وليس خوف. ولهذا فإن «خافوا الله» يمكن فهمها بمعنى: اهيبوا الله أي أعطوا الله مكانته اللائقة. لكن أيضًا تحمل معنى الخوف؛ فالسياق هو الدينونة. إذن يوجد في العبارة المعنيان: رهبة الله + الاستعداد للدينونة.

لماذا جاء الفعل بصيغة الأمر؟ Φοβήθητε صيغة أمر موجهة إلى المخاطبين الجمع. أي: خافوا وليس: الله مخيف. بل هناك دعوة مباشرة: افعلوا ذلك. وهذا يتوافق مع العدد 6: ليبشر... فالبشارة ليست مجرد معلومة نظرية. إنها دعوة إلى الاستجابة.

اللهtheos τὸν θεόν ودرسناها سابقا أي: الله. والأداة τὸν تجعلها في حالة النصب لأنها مفعول به للفعل خافوا.

لكن من الناحية اللاهوتية هناك شيء مهم: الملاك لا يقول: خافوا الوحش. ولا: خافوا السلطان الأرضي. ولا: خافوا بابل. بل: خافوا الله. فلا أحد يستحق المخافة إلا الله فقط. مثلما قال الرب يسوع المسيح له كل المجد "وَلَا تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ وَلكِنَّ النَّفْسَ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يَقْتُلُوهَا، بَلْ خَافُوا بِالْحَرِيِّ مِنَ الَّذِي يَقْدِرُ أَنْ يُهْلِكَ النَّفْسَ وَالْجَسَدَ كِلَيْهِمَا فِي جَهَنَّمَ." متى 10: 28. وهذا يضع الآية مباشرة في مواجهة رؤيا 13. في رؤيا 13 القضية هي: الاجبار على الخوف من الوحش ولكن في رؤيا 14 يأتي الجواب فيعلن من يستحق العبادة والطاعة؟ الله فقط.

وأعطوه مجدًا καὶ δότε αὐτῷ δόξαν

δότε دوتي من: δίδωμι didōmi أي: يعطي. وهو هنا أمر جمع: أعطوا. أي أن هناك استجابة ثانية مطلوبة. الأمر الأول: خافوا الله. الأمر الثاني: أعطوه مجدًا.

مجدًا δόξαν دوكسان وهي من δόξα doxa تعني: مجد، كرامة، شرف، عظمة. ومنها جاءت كلمة: doxology تمجيد الله. ولكن «إعطاء الله مجدًا» لا يعني أن الإنسان يضيف مجدًا إلى الله وكأن الله ينقصه المجد. بالطبع لا. المعنى هو: اعترف بمجد الله وأعلان استحقاقه للمجد. وأعطه المكانة التي يستحقها. أي: اعترف بأن الله هو صاحب السلطان والمجد. وهذا مهم جدًا في سياق الرؤيا. لأن التنين يريد المجد والعبادة ويريد أن يجبر البشر على هذا سواء بالإرهاب أو بالخداع. أما الرسالة السماوية فتقول: أعطوا المجد لله لأن المجد لله فقط ولا يجب إعطاء مجد لأي أخر حتى لو لتسيير الأمور مؤقتا.

العلاقة بين خافوا وأعطوا المجد العبارتان مرتبطتان: Φοβήθητε τὸν θεόν خافوا الله ثم: δότε αὐτῷ δόξαν أعطوه مجدًا. أي أن «خوف الله» ليس مجرد شعور داخلي. بل تظهر حقيقته في: بإعطاء المجد لله فقط. ثم تأتي العبارة الثالثة لاحقا واسجدوا له. وهذه ليست ثلاث أفكار منفصلة، بل ثلاثة جوانب للاستجابة لدعوة الله.

لأن ساعة دينونته قد جاءت ὅτι ἦλθεν ἡ ὥρα τῆς κρίσεως αὐτοῦ

هنا يأتي سبب الإعلان. ὅτι أوتي تعني: لأن / إذ إن. إذن الملاك يشرح: لماذا ينبغي أن يخافوا الله ويعطوه المجد وبخاصة الأن؟ الجواب: لأن ساعة دينونته قد جاءت.

جاءت ἦλθεν إلسين من: ἔρχομαι — erchomai أي: يأتي / يصل / يحضر.ἦλθεν هي صيغة الماضي. حرفيًا: جاءت وحضرت. وليس: ستأتي. فالحدث الأخروي المستقبلي يُعبَّر عنه باعتباره قد وصل أو بدأ. وهذه ظاهرة معروفة في اللغة النبوية والرؤيوية: الحدث الذي ينتظره القارئ يُعرض أحيانًا بصورة حاضرة أو مكتملة لإظهار يقينه.

ساعةἡ ὥρα hōra وكلمة ὥρα تعني: ساعة. ولكن كما شرحت سابقًا لا تعني بالضرورة ستين دقيقة. يمكن أن تعني: الوقت المحدد / اللحظة الحاسمة / الزمن المعين. فالملاك لا يقول: اقتربت الدينونة. بل: ساعة الدينونة قد جاءت. أي توقيت. أي إننا أمام لحظة حاسمة في خطة الله.

دينونته τῆς κρίσεως αὐτοῦ وكلمة κρίσις krisis منها جاءت: crisis أو أزمة أو كارثة لكن الكلمة اليونانية أوسع من الاستخدام الحديث لكلمة أزمةκρίσις تعني: دينونة / حكم / قرار قضائي / عملية الفصل والحكم. وفي هذا السياق: والضمير αὐτοῦ دينونته أي دينونة الله. فتعني: له / خاصته. فالمعنى: ساعة دينونته أي ساعة الدينونة التي يجريها الله أو التي ترتبط بحكمه.

لماذا الدينونة جزء من «البشارة»؟

هنا نعود إلى العدد 6. إنجيلًا/بشارة أبدية. والعدد 7 يبدأ بشرح مضمونها: خافوا الله... لأن ساعة دينونته قد جاءت. وهذا يعني أن البشارة الأبدية في هذا السياق لا يمكن اختزالها في رسالة الخلاص بمعزل عن الدينونة. فالبشارة تتضمن: إعلان أن الله يحكم، وأن الشر سيُدان مهما بدى سطوته وجبروته، وأن الإنسان مدعو إلى اتخاذ موقف تجاه الله قبل إتمام الدينونة. وكما وضحت من منظور كتابي، يمكن أن تكون الدينونة نفسها جزءًا من الخبر السار؛ لأن دينونة الشر تعني أيضًا انتصار عدل الله وإنهاء سلطان الشر.

واسجدوا καὶ προσκυνήσατε بروسكينساتي هذه الكلمة محورية جدًا في سفر الرؤيا. هي من προσκυνέω proskyneō تعني: يسجد، يخرّ، يعبد، يقدم التكريم والولاء. فهي تحمل معنى: السجود للعبادة. وهنا مرة أخرى لدينا صيغة أمر: اسجدوا. فإذا جمعنا الأوامر: خافوا الله. أعطوه مجدًا. اسجدوا له. نجد أن القضية المركزية هي: العبادة والمخافة بإعلان سلطان ومجد لله واستحقاقه وحده السجود.

للذي صنع τῷ ποιήσαντιبويسانتي هذه عبارة رائعة لغويًا ولاهوتيًا. ποιέω poieō يعني: يصنع / يعمل / يخلق. τῷ ποιήσαντι تعني: للذي صنع... أي أن الملاك لا يكتفي بأن يقول: اسجدوا لله. بل يعرّف الله بأنه الخالق الحقيقي. وهذا ليس تفصيلًا عابرًا بل اعلان في توقيت هام قبل الدينونة ووقت خداع التنين.

لماذا يصف الله بأنه الخالق؟ لاحظ سلسلة الأشياء: السماء الأرض البحر ينابيع المياه. وهذا يذكّر بقوة بلغة الخلق في العهد القديم، وخاصة خروج 20: 11: «لأن في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض والبحر وكل ما فيها...» هناك إذن تذكير لفكرة: الله هو خالق الكون، ولذلك هو المستحق للعبادة. في زمن أصبح العالم يدعي أن الطبيعة والوقت هو الخالق والمتسلط هو التنين والوحش. وهذه نقطة مهمة جدًا في مواجهة التنين. فالتنين رغم خداعه ولكن ليس خالق. الله هو الخالق. وبالتالي: الخالق وحده هو المستحق للعبادة المطلقة.

«السماء والأرض والبحر وينابيع المياه»

التركيب اليوناني: τὸν οὐρανὸν أورانون السماء

καὶ τὴν γῆν جين والأرض

καὶ θάλασσαν ثالاسسين والبحر

καὶ πηγὰς ὑδάτων وينابيع المياه.

هناك تصعيد منظم: السماء، الأرض، البحر، ينابيع المياه. أي أن الله هو خالق من الكبير للصغير فكل أبعاد الوجود. ولذلك تصبح العبادة شاملة أيضًا.

لماذا قال تدريج من السماء حتى ينابيع المياه بدل «كل شيء»؟

لأن يوحنا يستخدم لغة ذات جذور كتابية قوية لأن الماء والبحر والينابيع لها أهمية كبيرة في الكتاب المقدس وفي رؤيا يوحنا تحديدًا وتعبر عن الحياة. وأيضًا السماء وما فيها الأرض وما فيها البحر وما فيه ومصادر المياه التي تعطي حياة هي كل الخليقة والرب الخالق فهذا يوضح بأن الكون كله تحت سلطان الخالق. وهذا يتناسب مع الرسالة الموجهة إلى: كل أمة وقبيلة ولسان وشعب.

والترتيب يكون. المخافة والتمجيد لأن الدينونة وصلت فالسجود لخالق الكل.

أنواع التفاسير

التفسير الأخروي المباشر اللفظي.

يرى أن الملاك سيعلن في نهاية التاريخ دعوة عالمية لعبادة الله استعدادًا للدينونة. في هذا الفهم الملاك كائن سماوي حقيقي. الإعلان عالمي. الرسالة مرتبطة بالدينونة النهائية. دعوة العبادة تأتي قبل الدينونة. فهذه رسالة حرفية وهذا محتواها.

التفسير التاريخي

في مدارس التفسير التاريخي، يُنظر إلى الملاك أحيانًا على أنه رمز لحركة تاريخية في الكنيسة أو لإعلان إنجيلي واسع يظهر في مرحلة معينة من التاريخ. هذا التفسير أنه يحاول ربط الرؤيا بتاريخ الكنيسة. لكن المشكلة العدد نفسه لا يعطينا مفتاحًا صريحًا يحدد أن الملاك يمثل حركة تاريخية بعينها. لذلك ينبغي التفريق بين المعنى النصي المباشر والتطبيق التاريخي الذي يبنيه مفسر معين.

التفسير الرمزي

في التفسير الرمزي الملاك يمثل الإعلان الإلهي. وبالتالي صوت عظيم أي إعلان واضح واسع الانتشار. وسط السماء أي ظهور الرسالة أمام العالم. كل أمة رمز لعالمية الإنجيل. خافوا الله هو جوهر الرسالة. في هذه القراءة لا يكون التركيز على هوية الملاك بقدر ما يكون على معنى الرسالة التي يحملها. وهذا ما أتفق معه.

هل «خافوا الله» تعني الخوف من العقاب فقط؟ لا. "لَا خَوْفَ فِي الْمَحَبَّةِ، بَلِ الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ لأَنَّ الْخَوْفَ لَهُ عَذَابٌ. وَأَمَّا مَنْ خَافَ فَلَمْ يَتَكَمَّلْ فِي الْمَحَبَّةِ." (1يو 4: 18) وهذا مهم فلو كان المقصود: خافوا من العقوبة فقط، لكان النص قد ركز على العقوبة. لكن يوحنا يربط: خافوا الله بمعنى مخافة الله الاحترامية كمهابة وأعطوه مجدًا واسجدوا للخالق إذن «الخوف» هو موقف شامل من: عظمة الله وسلطانه وقداسته. فمقصود منه مهابة احترامية في وقت سجد الأرضيين للتنين والوحشين. والدينونة تعطي هذا النداء إلحاحه الزمني.

ارتباط العدد 7 بالعدد 6

العدد 6 الملاك لديه: إنجيل أبدي ومهمته: أن يبشر العالم كله. حامل الرسالة ونطاقها.

العدد 7 يشرح: ماذا يقول هذا الإنجيل؟ الجواب: خافوا الله وأعطوه مجدًا، لأن ساعة دينونته قد جاءت، واسجدوا للخالق. مضمون الرسالة.

ارتباط العدد 7 برؤيا 13

في رؤيا 13 نجد: التنين والسجود للوحش.

ثم في رؤيا 14: اسجدوا للخالق.

إذن هناك اختياران: الخيار الأول عبادة التنين. الخيار الثاني عبادة الخالق. وهذا هو الصراع المركزي في رؤيا 13–14. لذلك «خافوا الله» لا ينبغي أن تُفهم كوصية عامة فقط. إنها أيضًا دعوة إلى رفض عبادة او الخضوع لأي نظام مضاد لله.

هل العدد يتحدث عن «الخلاص» أم «الدينونة»؟ كلاهما، ولكن الدينونة هي العنصر البارز في السياق المباشر. العدد 6: إنجيل أبدي. العدد 7: خافوا الله... ساعة دينونته قد جاءت. إذن البشارة هنا ليست مجرد الله سيدين. بل إعلان أن الله هو الملك والقاضي والخالق، ولذلك ينبغي للبشر أن يرجعوا إلى عبادته قبل إتمام الدينونة.

وبهذا تقدم البشارة الخالق مقابل التنين. فالخالق هو المستحق المخافة والسجود وليس التنين. هناك رابط قوي جدًا بين الخلق والعبادة. المعنى هو الله خلق كل شيء. لذلك الله وحده يستحق العبادة. التنين والوحش مخلوق مهما كان مخيف فهو ليس خالقًا. لذلك عبادة الوحش هي انقلاب على ترتيب الخلق الحقيقي. وهنا نفهم لماذا اختار الملاك بالذات تعبير الذي صنع السماء والأرض والبحر وينابيع المياه. إنها ليست مجرد صفة لله. إنها حجة لاهوتية للعبادة. هو الخالق فهو المعبود ومن يرفض ذلك يستحق الدينونة التي اقتربت.

والتعبير هنا هو يتشابه مع رؤيا 4: 11. ففي رؤيا 4: 11 نجد تسبيحًا لله بسبب الخلق "لأنك أنت خلقت كل الأشياء". وفي رؤيا 14: 7 نجد اسجدوا للذي صنع السماء والأرض والبحر وينابيع المياه.إذن يوجد انسجام واضح. الله هو الخالق إذا الله يستحق العبادة. وهذا يعزز أن محور رؤيا 14: 7 هو العبادة الصحيحة لله الخالق الحقيقي الوحيد. وهذا منطق يستطيع كل مؤمن أن يستخدمه ليس في زمن الوحش بل الأن أيضا. الله الخالق إذا لوحده مستحق العبادة بكل صورها.

فالملاك يعلن للعالم كله، بصوت علني لا يمكن تجاهله، أن زمن الحكم الإلهي قد وصل. ولذلك يدعو البشر إلى موقف من الرهبة والتوقير لله، وإلى الاعتراف بمجد الله، وإلى عبادته وحده باعتباره خالق السماء والأرض والبحر ومصادر المياه. وعلينا أن نتبع نفس أسلوبه.

فيمكن تلخيص العلاقة بين العددين هكذا: رؤيا 14: 6 تعرض حامل الرسالة ونطاقها، ورؤيا 14: 7 تعرض مضمونها وهدفها. فالملاك الطائر «في وسط السماء» يحمل «إنجيلًا أبديًا» ليعلنه إلى «كل أمة وقبيلة ولسان وشعب»، أي أن الإعلان ذو طبيعة عالمية وموجه إلى البشرية كلها. ثم يوضح العدد 7 ما تتضمنه هذه «البشارة الأبدية»: «خافوا الله وأعطوه مجدًا... واسجدوا للذي صنع السماء والأرض والبحر وينابيع المياه»، لأن «ساعة دينونته قد جاءت». لذلك فالإنجيل هنا، في سياقه الأخروي، ليس مجرد إعلان عن الخلاص بصورة مجردة، بل دعوة عالمية إلى الاعتراف بسيادة الله وعبادته باعتباره الخالق، في مواجهة أفعال التنين والوحش واقتراب الدينونة.

وبذلك يرتبط العددان مباشرة بسياق رؤيا 13–14: فبعد أن يقدم الفصل 13 الوحش بوصفه قوة تطلب من سكان الأرض العبادة والولاء، يأتي الملاك في 14: 6–7 بإعلان مضاد ومقصود: لا تعبدوا الوحش، بل خافوا الله وأعطوه المجد واسجدوا للخالق. ومن ثمّ فالعدد 6 يعلن الفرصة والرسالة للعالم كله، والعدد 7 يحدد قرار الإنسان المطلوب قبل الدينونة؛ وهذا يمهد منطقيًا للرسالتين التاليتين عن سقوط بابل (14: 8) والتحذير من عبادة الوحش (14: 9–11)، ثم يصل إلى موقف المؤمنين في 14: 12: «هنا صبر القديسين». فلو وضعت في أي موقف تخيير فمن ستختار؟ أي صورة عبادة خادعة من التنين ام ستعلن بوضوح إنك تسجد لله فقط؟

والمجد لله دائمًا

الشاهد الكتابيرؤ 14: 6-7

6ثُمَّ رَأَيْتُ مَلاَكًا آخَرَ طَائِرًا فِي وَسَطِ السَّمَاءِ مَعَهُ بِشَارَةٌ أَبَدِيَّةٌ، لِيُبَشِّرَ السَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِ وَكُلَّ أُمَّةٍ وَقَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ، 7قَائِلاً بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «خَافُوا اللهَ وَأَعْطُوهُ مَجْدًا، لأَنَّهُ قَدْ جَاءَتْ سَاعَةُ دَيْنُونَتِهِ، وَاسْجُدُوا لِصَانِعِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَالْبَحْرِ وَيَنَابِيعِ الْمِيَاهِ».

اقرأ سفر الرؤيا 14
التصنيفتفسير سفر الرؤيا

85 مقالة · تصفح التصنيف

من أنا

أنا اعبر عن فكري فقط ولاني اعرف أنني إنسان ضعيف جدا فأعلم أني قد أكون أخطأت كثيرا ولذلك اعتذر بشده إن كنت أخطأت أو أسأت التعبير أو أعثرت احد وأرجو أن تسامحوني. لا ادعي العلم ولست بمبتكر أجوبة ولا انسب لنفسي شيء ولكني كأصغر تلميذ أنقل عن كتابات من هم أفضل وأعلم مني بكثير من أبائي وخدام ومفسرين شرقيين وغربيين وعلماء ومدافعين واعتذر إن كنت لم اذكر كل الأسماء تفصيلياً.

لا أهاجم أحد ولا أفرض فكري علي أحد ولا اقبل من أحد أن يجبرني علي قبول فكره وان صدر مني بعض التعليقات علي المشككين غير لائقة للبعض أحيانا فأنا اعتذر عنها.

لاني لست شيئاً, فانا لا أمثل جهة معينه أو كنيسة أو جمعيات أو أشخاص أو رومات أو غيره لأني اقل من ذلك بكثير ولا يوجد أحد مسئول عن كلامي ولست تلميذا لأحد بذاته لأني أقل من أن أكون تلميذا لأحد لكني أجاهد لكي أتعلم من الكل.

كتبت اسمي على الموضوعات لأؤكد أني لا امثل احد وانأ فقط المسئول عن ردي.

لم ولن اقبل تبرع من احد وارفض بشده ان يستغل احدهم اسمي باي شكل من الاشكال في جمع تبرعات او معونات او اي شئ من هذا القبيل فهذا مرفوض من قبلي تماما.

وحاجاتي وحاجات الذين معي خدمتهما هاتان اليدان.

الموضوعات متاحة لمن يريد أن يقتبس منها أو ينشرها أو يستخدمها. فقط طلبة محبه إن يساهم في نشر الموقع أولاً لنبني بعضنا بعضاً, وثانياً لكي أتعلم من تعليقات الآخرين البناءة.

الدكتور غالي

افتح كصفحة

إخلاء مسؤولية

إن محتوى هذا الموقع, إن كان بشكل كتابي أو مرئي أو سمعي, يتضمن آراء الدكتور غالي اما تعبيراً مباشراً أو نقلاً اقتباسياً لآراء أو أقوال أو خلاصة أفكار لكتّابٍ ومحررين آخرين متضمنين مع الاقتباس من المصادر الاصلية.