«  الرجوع   طباعة  »

الرد على شبهة وصف الكتاب المقدس لسكر وتعري نوح تكوين 9

 

Holy_bible_1

 

الشبهة 

 

نبي الله نوح عليه السلام في الكتاب المقدس يسكر ويتعرى:

جاء في تكوين 9: 20- 27»20وَابْتَدَأَ نُوحٌ يَكُونُ فَلاَّحًا وَغَرَسَ كَرْمًا. 21وَشَرِبَ مِنَ الْخَمْرِ فَسَكِرَ وَتَعَرَّى دَاخِلَ خِبَائِهِ. 22فَأَبْصَرَ حَامٌ أَبُو كَنْعَانَ عَوْرَةَ أَبِيهِ، وَأَخْبَرَ أَخَوَيْهِ خَارِجًا.

هل هذا يليق؟ تعالى الله عما يصفون.

 

الرد

 

باختصار الرد في البداية أن ما ذكره الكتاب المقدس هو ما حدث. فلا يوجد عصمة لاحد الا للرب فقط. ولكن ان كان نوح مخطئ ام لا هذا ما سندرسه معا ولكنه لم يخطئ بقصد لانه لم يعرف عصير العنب المسكر من قبل

ولشرح الموضوع اقسم الرد الي 

شرح علمي مختصر للخمر في وقت نوح 

هل أخطأ نوح أم لا 

الأسلوب الروائي في الكتاب المقدس

 

الشرح العلمي المختصر

كيف يتخمر عصير العنب؟

يوجد خطوتين للتخمر 

التخمر في وجود الهواء وهو الذي يحدث في ثلاث أيام الى خمس أيام حسب الحرارة وظروف أخرى وهو الذي ينتج اغلب الكحل تقريبا 70% 

ثم بعد هذا الخطوة الثانية وهي تخمر لا هوائي anaerobic ويتم بمعزل عن الهواء وتستغرق أسابيع الي شهور وهي التي تنتج 30% من الكحل 

تحول السكريات في العنب الي نبيذ هذا يتم بواسطة الخميرة وهي فيها يتحول من جلوكوز الى بيروفيت الي اسيتلدهيد الي ايثانول 

http://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/thumb/0/08/Ethanol_fermentation-1.svg/512px-Ethanol_fermentation-1.svg.png

والخميرة yeast من أنواع ساكارومايسس Saccharomyces تحول المواد السكرية الي ايثانول وثاني أكسيد الكربون في التخمر اللاهوائي في كل وقت ويخرج ثاني أكسيد الكربون الى الهواء ولكن في الخطوة الأولى الخميرة تحتاج الهواء لانها تحتاج اكسوجين الهواء في ان تتضاعف لكي تكثر وتصل الي عدد كافي يستطيع أي انها في الهواء الجوي هي تتضاعف بشدة من 100 الي 200 مرة وهذه تحتاج الي هواء وهي أيضا اثنائها رغم استخدامها للهواء لكي تتضاعف هي تتنفس عن طريق تخمر السكريات لا هوائيا وتكون اغلب الكحل تقريبا 70% ثم تحدث الخطوات التالية من التخمر الثنائي اللاهوائي واثناؤه بمنع الهواء الخميرة تتوقف عن التضاعف او معدله يقل جدا ووقتها تبدا في تحول بقية السكريات الي كحل وأيضا معه تخمر مواد أخرى مهم لطعم النبيذ وهذا الذي يستغرق شهور في حرارة متحكم فيها حسب نوع النبيذ في معزل عن الهواء لكيلا يتأكسد النبيذ الي حمض الاستيك  acetic acid او الخل في الأكسجين

البعض يشرب النبيذ بعد ثلاث أيام فقط رغم طعمه الغير جيد. 

كيف يعرف صانع النبيذ الان انه وقت الانتقال من المرحلة الأولى الهوائية الي الثانية بمعزل عن الهواء هو من خلال مقياس الكثافة Specific Gravity بجهاز hydrometer عندما يعطي قرائة 1.03 فيقوموا بعملية تسمى racking 

امر اخر حاليا صناع النبيذ يفضلون شراء الخميرة وهذا يتيح لهم نوع واحد من الخميرة وكل مصنع له نوع معين لكي يستمر طعم نبيذه مميز. ولكن الذين لا يصنعون نبيذ بطريقة صناعية ولكن في المنازل هم يفضلون ما يسمى بالخميرة الطبيعية التي أولا تكون على جلد العنب نفسه ونراها بشكل طبقة بيضاء رقيقة فوق العنب 

http://www.providentliving.org.nz/wp-content/uploads/2011/10/yeast_on_grapes1.jpg

وكثيرين من الفلاحيين ياخذون هذه الخميرة ويضاعفوها ويستخدموها حتى في صنع الخبز البلدي وهي طبيعية اكثر وغالبا تنتج طعم نبيذ افضل ولكن لانها طبيعية فطعم النبيذ يختلف كل مرة عن الأخرى بسبب ان هذه الخميرة الطبيعية بها الاف او مئات الالاف من الأنواع من الخميرة كلهم متعايشين معا فاي تغير ولو بسيط جدا يجعل نوع منهم ينتشر اكثر وهذا يكون له مواد بيولوجية مختلفة قليلا تغير الطعم قليلا واحيانا كثيرا

 

تأثير الأكسجين 

هذا هو المهم لموضوعنا. وتركيزي الان عن الخطوة الأولى فقط 

 الخطوة الأولى التي تستغرق فقط ثلاث أيام هذه الخميرة اثنائها في وجود أكسجين الهواء الجوي بنسبته المعتادة التي تحتاجه لكي تنقسم هي تفضل التخمر اللاهوائي كما شرحته سابقا 

ولكن لو ازدادت نسبة الاكسوجن في الخطوة الأولى عن نسبته الهوائية المعتادة أي اكثر من 21% هذا يجعل الخميرة وبخاصة انواع Kluyveromyces lactis or Kluyveromyces lipolytica هي التي تكثر اكثر وهذه تحول البيروفيت الي ثاني أكسيد الكربون وماء وهي التنفس الخلوي المعتاد cellular respiration وهذا لو حدث في الخطوة الاولى ستكون النتيجة نسبة الايثانول قليلة جدا اقل من 30% بكثير عن معدله الطبيعي (سواء 5 الي اقل من 15% لان هذه النسبة التي تقتل كل الخميرة والمعتاد لا يزيد عن 12 الي 13% )هذه النقطة لا تزال تصلح الخميرة لصنع الخبز لانها تنتج ثاني أكسيد الكربون الذي يجعل الخبز ينمو بفقاعات ثاني أكسيد الكربون ولكن لن تنتج كحل الا بنسبة لا تذكر مقارنة بالتخمر اللاهوائي.

فالخميرة هي تحتاج تقريبا 8 الي 16 جزء في المليون اكسوجين لكي تكون جدار الخلية وبدون الاكسجين لا تستطيع ان تكونه جيدا فلا تنقسم. ولكن لو اذداد الاكسجين عن المعتاد الخميرة وبخاصة الأنواع القليلة التي تفضل الاكسوجين هذه ستستخدم السكريات في التنفس الهوائي وليس التخمر وتحوله الي ثاني أكسيد الكربون وماء وليس كحل عن طريق كريبس سايكل. 

لماذا الخميرة لو ازداد الاكسوجين تتحول الي التنفس الهوائي لان التنفس الهوائي ينتج طاقة اعلى بكثير ويحول ادينين ثنائي الي ثلاثي اكثر بكثير لجزيء السكر الواحد. 

 

ومن هنا نبدأ نفكر في أيام نوح منذ 4500 سنة مضت. نوح عاش أولا قبل الطوفان 600 سنة وبعد الطوفان هذه اول مرة يصنع فيها خمر. 

وكما شرحت سابقا في ملف 

هل شرب الماء وحده مضر ؟ 2 مك

وباختصار ما كان يفعله أهل هذا الزمان فمصادر المياه في هذه الفترة هي الأبار والأنهار أو قد يكون فقط من الضباب الذي يتجمع في الأماكن المفتوحة والتي يجد الانسان صعوبة في نقلها باستمرار فيلجأ الي تخزينها. هذه المياه الغير معقمة والغير مفلترة تمتلئ بالبكتريا والاتربة والشوائب وبعض المواد الذائبة الضارة. شرب هذا الماء فعلا يضر وخاصة اذا تم تخزينه فتره فهو ممكن يسبب العدوي البكتيرية او بعض الامراض الاخري بسبب المواد الضارة الذائبة والمعلقة

كان اهل هذا الزمان يلجؤون لعدة وسائل لتفادي هذه الاخطار منها التي تقلل من اضرار هذه المياه الغير نقية هي مزجها بالخمر حيث ان الكحليات تساعد علي قتل البكتريا أو منع نموها وأيضا الكحل يساعد علي ترسيب المواد الزائبة لان معدل زوبان هذه المواد يقل بسبب الكحل. وهذا علاج للماء اسرع بكثير وكان شائع جدا في هذة الفترة. بل حتى لو النبيذ كحله قليل فهو افضل من المياه الغير نقية فشرب عصير العنب قليل الكحل حتى لو مخلوط بالماء او بدون ماء هو افضل بكثير من الماء لوحده. أي قبل الطوفان وبعده لا يشرب ماء كثير بل يفضل عصير العنب او ماء مع عصير العنب سواء به كحل او نسبة لا تذكر من الكحل. 

ولكن نبيذ قبل الطوفان مختلف والسبب هو اختلاف الظروف من الضغط ونسبة الاكسجين. فهواء ما قبل الطوفان غالبا (وهذا ما اجمع عليه الكثيرين من العلماء المسيحيين) بل حتى الذين يؤمنون بقدم عمر الأرض (رغم اني لا اقبل هذه الاعمار) كثير منهم يقر ان الأبحاث تظهر ان الأكسجين في الماضي كان تركيزه أعلي

كما شرحت سابقا في ملف فلك نوح وأيضا في ملفات كثيرة عن نسبة الاكسوجين وتكلم عنه علماء كثيرين حتى غير المسيحيين بناء على أبحاث على العنبر من الأشجار الذي وجد فيه ان الاكسجين نسبته كانت 50% اكثر أي من 32 الي 35% وليس 21% مثل الان ونشر في عدة أبحاث على فترات في عدة مجلات مثل التايمز 

C:\Users\Holy\Desktop\1.jpg

وأيضا نيوساينتست

This finding is confirmed in The New Scientist Magazine published on March 11, 2000. According to this article the air trapped in Amber has 35% oxygen
وأيضا 

The analysis of microscopic air bubbles trapped in fossilized tree resin gave Robert Berner of Yale and Gary Landis of the U.S. Geological Survey a glimpse into the ancient past. “The researchers clamped the amber into a vacuum chamber of a quadrupole mass spectrometer, a device that identifies the chemical composition of a substance. As the machine slowly crushed the sample, the microscopic bubbles were released, exhaling up to 100 billion molecules. These breaths disclosed some surprising evidence: the ancient air contained 50 percent more oxygen than the air today.” Landis believes that the reduction in oxygen could have led to the dinosaur’s demise. (Discover, February, 1988, p. 12.)

وأيضا

Other studies of air bubbles in amber have found increased pressure as well as greater oxygen levels. “One implication is that the atmospheric pressure of the Earth would have been much greater during the Cretaceous era, when the bubbles formed in the resin. A dense atmosphere could also explain how the ungainly pterosaur, with its stubby body and wing span of up to 11 meters, could have stayed airborne, he said. The spread of angiosperms, flowering plants, during the Cretaceous era could have caused the high oxygen levels reported by Berner and Landis, scientists said last week.” (Anderson, Ian, “Dinosaurs Breathed Air Rich in Oxygen,” New Scientist, vol. 116, 1987, p. 25.) A Yale study published in the March 3, 2000 issue of Science independently confirmed the high levels of oxygen present in the earth’s distant past. Some have even suggested that without such an atmosphere the relatively small lung capacity in certain dinosaurs could not have supplied their massive tissue with the needed oxygen.

وأيضا

In October 2006 Science Daily publicized a study led by Arizona State University staff entitled “Giant Insects Might Reign If Only There Was More Oxygen In The Air.” The article claims, “The delicate lady bug in your garden could be frighteningly large if only there was a greater concentration of oxygen in the air, a new study concludes. The study adds support to the theory that some insects were much larger during the late Paleozoic period because they had a much richer oxygen supply, said the study’s lead author Alexander Kaiser. The Paleozoic period…was a time of huge and abundant plant life and rather large insects — dragonflies had two-and-a-half-foot wing spans, for example. The air’s oxygen content was 35% during this period, compared to the 21% we breathe now, Kaiser said.” This research concurs with the biblical model of the early earth. In 2010 researchers at Arizona State University presented the results of experiments raising insects in various levels of atmospheric oxygen. Ten out of twelve varieties of insects studied decreased in size with lower oxygen. Some, like dragonflies, grew faster and became bigger in an enriched oxygen atmosphere (Science Daily, October 30, 2010.).

ففي غرائب الارض

الذي يثبت في المحاضرات الجديدة يوضح ان كان اكسوجين كثير في الغلاف الجوي القديم اكثر من اي واحد كان يتخيل

 

 

الهواء القديم كان يسمح بالتنفس فالارض غالبا كان غلافها الجوي غني بالاكسوجين اقدم من 3 بليون سنة وغالبا قبل ذلك ايضا 

 

اذا قبل الطوفان نوح يصنع نبيذ في أكسجين اعلى بكثير. وكما قلت الخميرة الطبيعية هي خليط وفي ظروف مثل هذه النتيجة سيكون التنفس الهوائي اكثر أي نسبة الكحل في النبيذ اقل بكثير جدا عن هذه الأيام تقل عن 30% من نسبته الحالية فلو حاليا يصل من 5% الي 12% في الماضي هو اقل من 1.5 الي اقل من 4% وهذا لا يسكر بالمرة. 

تكلمت باختصار فقط عن عامل واحد وهو الاكسوجين ونسبته وتاثيره ولكن هناك عوامل أخرى كثيرة لا اريد ان اطيل بالتكلم فيها مثل نسبة الضغط التي في الماضي كانت اعلى للضعف بسبب الجلد قبل الطوفان وأيضا نسبة الرطوبة التي كانت اعلى ونسبة ثاني أكسيد الكربون التي كانت اعلى وأيضا توزيع الحرارة وغيره وكثير من هذه العوامل تجعل الخميرة لا تكسر السكريات بسرعة ولكن النقطة التي قدمتها تكفي لتوضيح ما اقصد من ظروف ما قبل الطوفان التي تجعل نوح لا يعرف معنى الخمر المسكر. 

 

هل اخطأ نوح؟ 

في هذا الجزء لا اقصد ان اخطئ احد او أي تفسير ولكن فقط اقدم وجهة نظر أخرى 

استطيع الان ان اجيب باختصار. 
نوح حسب اعتقادي بما قدمت حتى الان هو لم يعرف شيء قبل الطوفان اسمه عصير عنب يتخمر فيسكر. ولهذا في رائي نوح لم يخطئ بطريقة مقصودة ولو كان أخطأ هو سقط في خطا بدون معرفة سابقة وبعد الطوفان وبدا نوح يزرع فغالبا جرب الخمر لوحده من الكرم بدون ان يخلطه بالماء دون ان يكون القصد هو السكر

بعد الطوفان نوح اول مرة يشرب عصير العنب. كما يقول العدد بوضوح

سفر التكوين 9

9 :20 وابتدا نوح يكون فلاحا وغرس كرما 

9 :21 وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه 

ولهذا نوح الذي لا يعرف ان عصير العنب ممكن يتخمر بسرعة في 3 أيام ويتحول مسكر ولكن هذا ما حدث. 

وقد سجل لنا الكتاب المقدس هذا لانه يذكر قوة وأيضا ضعف البشر بل حتى التي صنعوها بغير معرفة وسجل لنا الكتاب المقدس هذا الضعف ليؤكد لنا أن الخلاص لم يكن بسبب بر نوح الذاتي فإن كان بارًا إنما بسبب النعمة التي كانت تسنده في جهاده.

 

أخيرا الأسلوب الروائي في الكتاب المقدس

الأسلوب الروائي Narrative type biography

والهدف من الأسلوب الروائي في الكتاب المقدس هو شرح عمل الله واعطاء تدريج للفهم برموز وامثال 

مبادئ الاسلوب الروائي

1 لا يعلم عقيده ولكن يوضح نتائج موقف (قاين قتله اخيه لا يوجد فيها وصيه ولكن وصية القتل في جزء اخر لا تقتل هذا في الناموس) مجموعة خانوا ملك فالملك قتلهم لهذا أسلوب روائي وهو لا يوصي الناس ان تخون ملك ولا يوصي بان يقتلهم ولكن يوضح نتائج الموقف

2 يسجل الحدث ولكن لا يسجل ما كان يجب ان يحدث (قاين قتل اخيه ليس ما كان يجب ولكن ما حدث) 

3 تسجيل الحدث ليس معناه ان ننفزه لكن ناخذ عظة منه

4 توضيح ان الكل بعيدين عن الكمال (وليس اجابه للأسئلة اللاهوتية او وصية)

5 يعلم غير مباشر (امبلسيف) ولكنه لا يطبق

6 ما لم يذكر لا يجب ان نخمن فيه 

7 كل الاحداث تركز على نقطه خاصه وهو الاحتياج لبر الله 

المشكلة هو تحويل الاسلوب الروائي لاوامر ونواهي او وصية لان الاسلوب الروائي يترك الي ضمير الانسان ان يتعلم من الحادثة بعد ان قدم له الوصية في جزء اخر (لا تقتل) 

القصة كامله تعطي التعليم المطلوب وليس جزء منها

فيعلم بطريقه غير مباشره

التعليم النصي لايدل علي معرفه ولكن الروائي يدل علي علم الراوي بالنتيجه قبل ان تحدث

وهنا يوضح الكتاب المقدس خطورة الخمر حتى مع عدم المعرفة ولهذا كما قال ابونا تادرس يعقوب في تفسيره نقلا عن اقوال الإباء 

كشف هذا الموقف عن الآتي: 

أولاً: خطورة السكر الذي يُفقد الإنسان سترته، ويعريه حتى أمام بنيه. يقول القديس چيروم: [لا يجوز لأحد أن يقول بأن السكر ليس بخطية نقرأ عن نوح أنه سكر مرة، ولكن الله يحذرنا من أن نظن فيه أنه سكير ومدمن للخمر[199]]. كما يقول: [ساعة واحدة سكر فينا عرّت (نوحًا) الذي ظل مستترًا طوال ستمائة عام بالوقار[200]]. كما يقول: [بعد سكره تعرى جسده، فإن تدليل النفس يؤدي في النهاية إلى السقوط في الشهوة، فالبطن تتخم أولاً وعندئذ تثور الأعضاء[201]]. ويقول القديس أمبروسيوس: [يا لسلطان الخمر، فقد جعلت ذاك الذي لم تغلبه مياه الطوفان أن يصير عاريًا![202]].

إن كانت الخمر هكذا تسكر الإنسان، فتعري ذاك الذي استتر بالوقار أكثر من ستمائة عام، ذاك الذي لم تستطع أن تبلغ إليه مياه الطوفان، فإن الخطية هي بالحقيقة الخمر المسكر الذي يعري النفس ويفضحها، أما السيد المسيح فهو اللباس البهي الذي يستر النفس من فضيحتها الأبدية. يقول القديس چيروم: [نحن ثوب المسيح إذ يلبسنا خلال إيماننا به نلبسه نحن أيضًا (كثوب لنا)، وكما يقول الرسول أن المسيح هو لباسنا، نرتديه عندما نعتمد (غلا ٣: ٢٧). فإننا إذ نلبس المسيح يلبسنا هو أيضًا![203]]. 

ثانيًا: إذ تعرى نوح أبصر حام عورة أبيه، أما سام ويافث فبوحي الناموس الطبيعي حرصا ألا يبصروا عورة أبيهما. هنا تظهر وحدة الناموس الطبيعي والناموس المكتوب وتطابقهما، إذ يحذر الناموس الإنسان من كشف عورة الأب أو الأم (لا ٨: ٦– ١٨). هذا وكشف العورة لا يفهم فقط بالمعنى الحرفي البحت، إنما ربما يقصد به عدم الاعتداء على زوجة الأب أو ارتكاب الفتاة شرًا مع زوج أمها!... لكن ما فعله حام كان فيه سخرية بأبيه المتعري بالمعنى الحرفي لمعنى التعرية.

إن كنا نرى بالإيمان كل إنسان أبًا أو أمًا أو أخا أو أختًا لنا، فليتنا لا نعري أحدًا، إنما نستر بالحب قدر ما نستطيع في المسيح يسوع ساتر خطايانا!

ثالثًا: إن كان نوح قد أخطأ بشربه الخمر وسكره حتى تعرى، فإن الله في محبته لم يخف ضفعات رجاله بل يحول حتى الضعفات للخير، كما حول خطة إخوة يوسف لهلاك أخيهم لخيرهم وخيره. لقد رأى القديس چيروم في قصة نوح هذه صورة رمزية للسيد المسيح الذي شرب كأس الألم، ومن أجلنا تعرى على الصليب، فسخر به الأشرار (حام) بينما آمن به الأمم (سام ويافث). وكما يقول القديس چيروم: [قيل هذا كله كرمز للمخلص الذي شرب الألم على الصليب، قائلاً: "يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس" (مت ٢٦: ٣٩). شرب وسكر وتعرى جسده... فقد جاء الكبير (حام) أي اليهود وضحك، أما الأصغر أي الأمم فغطى آلامه... وكما سكر الأب بآلامه هكذا يسكر القديسون برائحة إيمانهم، يسكرون بالروح القدس. فقد كنتم بالأمس تجمعون الذهب والآن تلقونه عنكم، أما يُحسب هذا سكرٌ في عيني من لا يفهم هذه الأمور. أخيرًا، عندما حل الروح القدس على التلاميذ وملأهم وتكلموا بلغات كثيرة اُتهموا أنهم سكارى بخمر جديدة[204]]. ويلاحظ أن القديس چيروم حسب حامًا هو الأكبر، وربما يقصد أكبر من يافث أو من سام، أما الأصغر ممثل الأمم فربما قصد يافث أو سام. على كلّ فقد اختلفت الآراء في ترتيب أبناء نوح، فريق يرى ترتيبهم هكذا: سام ثم حام فيافث باعتبار أنهم ذكروا هكذا في مواضع كثيرة في الكتاب المقدس، وفريق آخر يرى أن سامًا لم يكن بالبكر جسديًا لكنه ذكر أولاً لأن منه جاء الآباء إبراهيم وإسحق ويعقوب وظهر منه الشعب القديم الذي وُلد منه السيد المسيح حسب الجسد. وأن حامًا ذُكر بعده لمجاورته لأخيه سام، ثم يافث لبعده عن أخويه نسبيًا. ويؤيد هذا أنه في الأصحاح الحادي عشر جاءت مواليد يافث أولاً ثم مواليد حام وأخيرًا سام.

 

والمجد لله دائما