«  الرجوع   طباعة  »

تاريخ الكنيسة القبطية



Holy_bible_1



( منقول )

مقدمة



إن كلمة "قبطي" مشتقة من الكلمة اليونانية "أجيبتوس"، والتي إشتُقَّت بدورها من كلمة "هيكابتاه"، وهي أحد أسماء ممفيس، أول عاصمة لمصر القديمة. وحالياً، فكلمة "قبطي" تصف مسيحيو مصر، وكذلك آخر مرحلة للكتابة في مصر القديمة. وهي كذلك تصف الفن المُمَيَّز والعمارة التي نبعت من الإيمان الجديد.

 

كانت مدينة الإسكندرية وقت كرازة الرسل تعتبر – من الناحية السياسة – المدينة الثانية من جهة في الإمبراطورية الرومانية بعد العاصمة روما. لكنها من جهة شهرها العلمية والثقافية، كانت دون منازع عاصمة العالم الثقافية في ذلك الحين... فمدرستها الشهيرة، كانت اكبر مركز علمي وفلسفي في العالم الوثني، بما توفر لها من مشاهير العلماء والفلاسفة وما زخرت به مكتبتها الشهيرة من الكتب والمخطوطات القيمة.. كانت الإسكندرية مدينة دولية عامرة بالسكان من مصريين واغريق ورومان ويهود وبعض أجناس اخرى... وكانت جاليتها اليهودية، أهم الجاليات اليهودية خارج فلسطين. وصل الإيمان المسيحي إلي مصر قبل كرازة مارمرقس بها، نظراص لقرب مصر من بلاد اليهود... كما كان بين من شاهدوا معجزة يوم الخمسين بعض من سكان " مصر ونواحي ليبيا التي نحو القيروان" (أع2: 10). وليس ما يمنع أن يكون هؤلاء الذين أمنوا بأورشليم يوم الخمسين، قد حملوا الإيمان معهم إلي موطنيهم... وهناك إشارة في سفر الأعمال إلى ابلوس الإسكندري الذي كان يهودياً وتنصر، مقتدراً في الكتب وخبيراً في طريق الرب "وكان وهو حار بالروح يتكلم ويعلم بتدقيق ما يختص بالرب" (أع18: 24، 25).. والقديس لوقا كتب إنجليه إلى أحد وجهاء الإسكندرية المدعو ثاؤفيلس ولم يكن إنجيل لوقا هو الوسيلة الأولى التي حملت الإيمان إلى ذلك الرجل بل أنه كان مؤمنا قبل وصول إنجيل لوقا إليه، إذ يقول له لوقا "لتعرف صحة الكلام الذي علمت به" (لو1: 3، 4)... وقيل إن الرسول سمعان القيروني كرز في جنوبي مصر (منطقة أسوان والنوبة)... وعلى أية الحالات فقد وصل الإيمان المسيحي إلى القطر المصري قبل وصول مار مرقس إليه... لكن تأسيس الكنيسة المصرية التي تعرف باسم كنيسة الإسكندرية، ينسب إلى القديس مارمرقس. والقديس مارمرقس احد السبعين رسولاً – أسس هذه الكنيسة حوالي سنة 60م... (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات والكتب الأخرى). وتمزت بكثرة عدد من آمن، وبسمو روحانيتهم، وبحياة الزهد الفلفية الفائقة الحد التي عاشها جمهور المؤمنين... ومن فرط إعجابة بهذه الحياة، أشار إليها فيلو الفيلسوف اليهودي الإسكندري في القرن الأول الميلادي في كتابه حياة التامل. كما أسس مارمرقس في الإسكندرية مدرسة لاهوتية، لتثبيت المؤمنين في الدين الجديد، وتقف أمام المدرسة الوثنية الشهيرة تقاوم تيارها وأفكارها وترد عليها... وقد قدر لهذه المدرسة – فيما بعد – بما توفر لها من علماء ان تجذب بعض فلاسفة المدرسة الوثنية وتهديهم إلى الإيمان، بل أن تصبح اكبر مركز دراسى لاهوتي مسيحي في العالم كله شرقاً وغرباً لعدة قرون. وقدمت هذه المدرسة للكنيسة المسيحية في مصر وخارجها علماء وفلاسفة استطاعوا أن يخدموا أجل خدمة، ويذودوا عن إيمانهم باقلامهم التي فندت ادعاءات الفلاسفة الوثنيين...



إن الكنيسة القبطية مبنية على تعاليم القديس مارمرقس، الذي بشَّر بالمسيحية في مصر، خلال فترة حكم الحاكم الروماني "نيرون"في القرن الأول، بعد حوالي عشرون عاماً من صعود السيد المسيح. ومارمرقس هو أحد الإنجيليين وكتب أول إنجيل. وانتشرت المسيحية في كل أنحاء مصر خلال نصف قرن من وصول مارمرقس إلى الإسكندرية (كما هو واضح من نصوص العهد الجديد التي إكتُشِفَت في البهنسا، بمصر الوسطى، وتؤرَّخ بحوالي 200م.، وجزء بسيط من إنجيل القديس يوحنا، مكتوب بالغة القبطية؛ الذي وُجِدَ في صعيد مصر ويُؤرَّخ في النصف الأول من القرن الثاني). إن الكنيسة القبطية –وهي عمرها الآن أكثر من تسعة عشر قرناً من الزمان- كانت موضوع العديد من النبوءات في العهد القديم. ويقول إشعياء النبي في إصحاح 19، الآية 19: "وفي ذلك اليوم، يكون مذبح للرب في وسط أرض مصر، وعمود للرب عند تخمها."

وبالرغم من الإتحاد والإندماج الكامل للأقباط في النسيح المصري، فقد إستمروا ككيان ديني قوي، وكوَّنوا شخصية مسيحية واضحة في العالم. والكنيسة القبطية تعتبر نفسها مُدافِعاً قوياً للإيمان المسيحي. وإن قانون مجمع نيقية –الذي تقرِّهُ كنائس العالم أجمع، كتبه أحد أبناء الكنيسة القبطية العظماء: وهو البابا أثناسيوس، بابا الإسكندرية، الذي إستمر على كرسيه لمدة 46 عاماً (من عام 327 حتــى عام 373). وإن مكانة مصر محفوطة جيداً في هذا الأمر، فهي التي هربت إليها العائلة المُقدّسة هرباً من وجه هيرودس: "فقام وأخذ الصبي وأمه، وإنصرف إلى مصر. وكان هناك إلى وفاة هيرودس، لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل: "من مصر دعوت إبني". (مت13:2-15)

إن مُساهمة الكنيسة القبطية في المسيحية لهي عديدة. فقد لعب دوراً هاماً في اللاهوت المسيحي... وخاصة لتحميها من الهرطقات الغنوسية. وقد حَمَت الكنيسة القبطية آلاف النصوص، والدراسات اللاهوتية والإنجيلية، وهي مصادر هامة لعلم الآثار. وقد تمت ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة القبطية في القرن الثاني. وإعتاد مئات الكتبة بنسخ نسخ من الكتاب المقدس وكتب طقسية ولاهوتية. والآن، تضم مكتبات ومتاحف وجامِعات في العالم أجمع مئات الآلاف من المخطوطات القبطية.

وتعتبر مدرسة الإسكندرية المسيحية هي أول مدرسة من نوعها في العالم، فبعد نشأتها حوالي عام 190 م، على يد العَلاَّمة المسيحي بانتينوس، أصبحت مدرسة الإسكندرية أهم معهد للتعليم الديني في المسيحية. وكثير من الأساقفة البارِزين من عِدَّة أنحاء في العالم تم تعليمهم في تلك المدرسة، مثل "أثيناغورَس"، و"كليمنت" (القديس كليمنضس السكندري)، و"ديديموس"، والعلامة العظيم أوريجانوس، الذي يُعتبر أب عِلم اللاهوت، والذي كان نَشِطاً كذلك في تفسير الكتاب المقدس والدراسات الإنجيلية المُقارنة. وقد كتب أكثر من 6000 تفسيراً للكتاب المقدس، بالإضافة إلى كتاب "هيكسابلا" الشهير. وقد زار العديد من العلماء المسيحيين مدرسة الإسكندرية، مثل القديس جيروم ليتبادل الأفكار ويتصل مباشرة بالدارِسين. إن هدف مدرسة الإسكندرية لم يكن محصوراً على الأمور اللاهوتية، لأن علوم أخرى مثل العلوم والرياضيات وعلوم الإجتماع كانت تُدَرَّس هناك. وقد بدأت طريقة "السؤال والجواب" في التفسير بدأت هناك. ومن الجدير بالذِّكر، أنه كانت هناك طرق للحفر على الخشب ليستخدمها الدارسون الأكفاء ليقرأوا ويكتبوا بها، قبل برايل بـ15 قرناً من الزمان! وقد تم إحياء المدرسة اللاهوتية لمدرسة الإسكندرية المسيحية عام 1893 م. واليوم لديها مبانٍ جامعية في الإسكندرية، والقاهرة، ونيوجيرسي، ولوس أنجلوس، حيث يدرس بها المُرَشَّحون لنوال سِرّ الكهنوت، والرجال والسيدات المؤهلون العديد من العلوم المسيحية كاللاهوت والتاريخ واللغة القبطية والفن القبطي.. بالإضافة إلى الترنيم والأيقنة (صنع الأيقونات) والموسيقى وصنع الأنسجة.



وقد نشأت الرهبنة في مصر وكانت ذات تأثير هام في تكوين شخصية الكنيسة القبطية في الإتضاع والطاعة، والشكر كله لتعاليم وكِتابات آباء برية مِصر العِظام (في بستان الرهبان، وغيره). وقد بدأت الرهبنة في أواخر القرن الثالث وإزدهرت في القرن الرابع. ومن الجدير بالذِّكر أن الأنبا أنطونيوس وهو أول راهب مسيحي في العالم، كان قبطياً من صعيد مصر. والأنبا باخوميوس الذي أسَّس نظام الشركة والرهبنة، كان قبطياً كذلك. والأنبا بولا، أوَّل السوَّاح كان قبطياً. وهناك العديد من مشاهير الآباء الأقباط، نذكر منهم على سبيل المِثال لا الحصر: الأنبا مكاريوس، والأنبا موسى الأسود، ومارمينا العجايبي.. ومن آباء البرية المُعاصرين البابا كيرلس السادس وتلميذه الأنبا مينا آفا مينا (المنتقلين). وبنهاية القرن الرابع، كان هناك مئات من الأديرة، وآلاف من القلالي والكهوف مُنتشرة على كل أرض مصر. وكثير من هذه الأديرة مازالت مزدهرة، ويأتيها العديد من طالبي الرهبنة وبها مئات الآباء الرهبان حتى هذا اليوم. إن كل الأديرة المسيحية، نبعت جذورها -بطريقة مباشرة أو غير مباشرة- من ذلك المِقال المِصري. وقد زار القديس باسيليوس -وهو مُنَظِّم الحركة الرهبانية في آسيا الصغري- مصر سنة 357 م. وقد إتبعت الكنائس الشرقية ذلك المِثال؛ والقديس جيروم -الذي تَرجَم الكتاب المقدس إلى اللغة اللاتينية- جاء إلى مصر سنة 400م. وترك تفاصيل خبراته بمصر في رسائله. وكذلك القديس بنيديكت أسَّس أديرة في القرن السادس على مثال ما فعله القديس باخوميوس، ولكن بطريقة أكثر حِزماً. وأيضاً زار آباء البرية عدد لا نهائي من الرحَّالة السوَّاح وقَلَّدوا طريقة حياتهم الروحية وإنضباطها.. وأكثر من ذلك، فهناك دلائل على الإرساليات القبطية في شمال أوروبا. وأحد الأمثلة هو القديس موريس قائد الكتيبة الطيبية الذي ترك مصر ليخدم في روما، وإنتهى الأمر به إلى التعليم والتبشير بالمسيحية لسكان جبال سويسرا، حيث توجد بلدة صغيرة تحمل إسمه وديراً له يحوي جسده المقدس، بالإضافة لبعض كتبه ومتعلقاته. وكذلك هناك قديساً آخراً من الكتبية الطيبية وهو القديس فيكتور، والمعروف بين الأقباط باسم "بقطر".

وقد لعب بطارِكة وباباوات الإسكندرية دوراً قياديّاً في اللاهوت المسيحي، تحت سلطة الإمبراطورية الرومانية الشرقية بالقسطنطينية (ضد الإمبراطورية الغربية بروما). وكان يتم دعوتهم إلى كل مكان ليتحدَّثوا عن الإيمان المسيحي. وقد رأس البابا كيرلس -بابا الإسكندريةالمجمع المسكوني بمدينة أفسس سنة 431 م. وقد قيل عن أساقِفة الإسكندرية أنهم كانوا يقضون كل وقتهم في إجتماعات ولقاءات! ولم يقف الدور الريادي عندما بدأت السياسة تتداخل في أمور الكنيسةبدأ هذا الأمر عندما إبتدأ الإمبراطور ماركيانوس بالتدخُّل في شئون الإيمان بالكنيسة. وقد كان رد البابا ديوسقوروس -بابا الإسكندرية، والذي تم نفيه بعد ذلك- واضِحاً: "ليس لديك أي دخل بالكنيسة!" ووضحت أكثر هذه الدوافع السياسية في خلقيدونية عام 451، عندما إتُّهِمَت الكنيسة القبطية ظُلماً بإتباع تعاليم "أوطاخي" الذي آمن بـmonophysitism . وتقول هذه الهرطقة بأن السيد المسيح له طبيعة واحدة فقط (الإلهية)، وليس طبيعتان: الإلهية والبشرية.

ولم تؤمن الكنيسة المصرية أبداً بذلك، بالصورة التي وُصِفَت في مجمع خلقيدونية. وكانت ذلك يعني في المجمع، الإيمان بطبيعة واحدة. أما نحن الأقباط فنؤمن أن السيد المسيح كامِلاً في لاهوته، وكامِلاً في ناسوته، وهذان الطبيعتان مُتَّحِدَتان في طبيعة واحدة هي "طبيعة تَجَسُّد الكلمة"، والتي أوضحها البابا كيرلس السكندري. الأقباط إذن، يؤمنون بطبيعتان: "لاهوتية" و"ناسوتية"، وهما مُتَّحِدَتان بغير إختلاطٍ ولا إمتزاجٍ، ولا تغيير" (هذا الجزء الأخير من قانون الإيمان الذي يُتلى في نهاية صلاة القداس). وهاتان الطبيعتان "لم يَفْتَرِقا لحظة واحدة ولا طرفة عين".

لقد إتُّهِمَت الكنيسة القبطية بالخطأ في مجمع خلقيدونية في القرن الخامس. ربما تم تصحيح سوء الفهم هذا، ولكنهم أرادوا إبعاد الكنيسة وأن يعزلوها، وأن يُبطلوا قانونية البطريرك المصري المُسْتَقِلَّة، الذي أصَرّ أن تكون الكنيسة منفصلة عن الدولة. وبالرغم من كل هذا، فقد ظلّت الكنيسة مخلصة وثابتة في إيمانها. وإذا كان ما حدث مجرّد مؤامرة من الكنائس الشرقية لعزل الكنيسة القبطية كعقاب لها لرفضها الخضوع السياسي، أو إذا كان ذلك بسبب أن البابا ديسقوروس لم يذهب لدرجة الميل الثاني ليوَضِّح أكثر أن الأقباط لم غير مؤمنين بالطبيعة الواحدة، فلقد شعرت الكنيسة القبطية دائماً بتفويض لكي تُصلِح الخلاف الهام بين كل الكنائس المسيحية. وهذا الأمر واضحاً جلياً في شخص قداسة البابا شنوده الثالث، خليفة مارمرقس البطريرك الـ117؛ حيث يقول: "الإيمان هو أهم شئ بالنسبة للكنيسة القبطية، ويجب على الآخرين أن يعوا أن المصطلحات وغيرها غير هامة بالنسبة إلينا." وخلال القرن الماضي، لَعِبَت الكنيسة القبطية دوراً هاماً في الحركة المسيحية العالمية. فالكنيسة القبطية هي من أول الذين أنشأوا "مجلس الكنائس العالمي". وقد ظلّت عضواً في هذا المجلس حتى عام 1948 م. والكنيسة القبطية كذلك هي عضواً في "مجلس كل كنائس أفريقيا" و"مجلس كنائس الشرق الأوسط". وتلعب الكنيسة القبطية دوراً هاماً في إدارة الحوار لحل الإختلافات الجوهرية بينها وبين كنائس الكاثوليك، والأرثوذكس الشرقيين، والمشيخيين، والبروتستانت.



ربما يكون الصليب هو الفخر الحقيقي للكنيسة القبطية. ففخر الكنيسة هو الإضطهاد الذي بدأ ربما من يوم الإثنين الموافق 8 مايو 68 م. (بعد عيد القيامة)، عندما إسْتُشْهِد قديسنا المُبَشِّر مار مرقس الرسول، بعد جَرّه من قدميه عن طريق الجنود الرومان وجابوا به كل شوارع الإسكندرية وزِقاقها. وقد تم إضطهاد الأقباط على يد كل حُكّام مصر تقريباً. لدرجة أن قساوسة الكنيسة القبطية كان يتم تعذيبهم ونفيهم حتى على يد أخوتهم المسيحيين، بعد إنشقاق مجمع خلقيدونية عام 451م.، وحتى فتح العرب لمصر عام 641م. ولتأكيد حبهم في الصليب، فقد إتّخذ الأقباط تقويماً، يطلق عليه تقويم الشهداء، الذي يبدأ عهده يوم السبت الموافق 29 أغسطس 284م، لإحياء ذِكرى لشهداء الإيمان في عهد الإمبراطور الروماني دقلديانوس. وما يزال هذا التقويم يستعمله المُزارعين في مصر لتتبع تغيرات الفصول الزراعية وكذلك في كتاب الفصول الذي يُستخدم في القداسات والمناسبات الكنسيّة.

وتؤمن الكنيسة القبطية بسبعة أسرار (اسرار الكنيسه السبعه)، سِر المعمودية، وسر الميرون (التثبيت)، وسر التناول، وسر التوبة والإعتراف، وسر الكهنوت، وسر الزيجة، وسر مسحة المرضى. فسِر العِماد يتم بعد أسابيع قليلة من الميلاد عن طريق تغطيس كل الجسم ثلاث مرات في ماء مُصلّى عليه. أما عن سر الميرون، فيتم برشم الجسم بزيت الميرون بعد العِماد مباشرة. وبالنسبة لسر الإعتراف فيتم بصورة دورية على أب الإعتراف، وهو سر هام لممارسة سر التناول. ومن المناسب أن تعترف كل العائلة على كاهن واحد، لتجعل منه مستشاراً عائلياً. وعلى عكس كل الأسرار المقدسة، فسر الزيجة هو الوحيد الذي لا يمكن عمله خلال فترة الصوم. غير مُتاح بتعدُّد الزوجات، حتى لو كان مُعْتَرَف به بقوانين البلد. وغير مسموح بالطلاق إلا في حالة الزِنى، يمكن عمل بُطلان زواج في حالة الزواج على ضُرّة، أو بعض الحالات القصوى الأخرى، التي يجب أن يتم مراجعتها عن طريق مجلس أساقفة خاص. ويمكن أن يتم طلب الطلاق عن طريق الزوج أو الزوجة. ولا يتم الإعتراف بالطلاق المدني. لا يوجد لدى الكنيسة القبطية أي مانع أو إعتراض على القوانين المدنية للبلاد، طالما لا تتعارَض مع أسرار الكنيسة المقدسة. ولا يوجد لدى الكنيسة -وفي الواقع فهي ترفض وضع قانون- أو موقف رسمي ضد بعض الموضوعات المثيرة للجدل (كالإجهاض مثلاً). بينما يوجد لدى الكنيسة تعاليم واضِحة بخصوص هذه الأمور (فمثلاً، الإجهاض يتعارض مع مشيئة الله)، فالكنيسة تُفَضِّل أن يتم التعامل مع مثل هذه الأمور حسب كل حالة على حدة عن طريق أب الإعتراف، لأنه لديه تفويض كامل من الله بالحكم على مثل هذه الأفعال بأنها آثِمة من عدمه.



هناك ثلاثة طقوس أو قداسات أساسية في الكنيسة القبطية: قداس القديس باسيليوس أسقف قيصرية؛ قداس القديس غريغوريوس النيصي أسقف القسطنطينية؛ وقداس البابا كيرلس الأول، البطريرك رقم 24. إن أساس أو روح القداس الكيرلسي مُستوحى من قداس مارمرقس (باللغة اليونانية) من القرن الأول. وقد تم حِفظة وممارسة الصلاة به عن طريق الكهنة والأساقِفة إلى أن تمّت ترجمته للقبطية عن طريق البابا كيرلس الأول. واليوم، ما تزال هذه الثلاثة قداسات تُستخدم في الصلاة، مع بعض المقاطع المُضافة (مثل الشفاعات). ومن الجدير بالذكر أن القداس الباسيلي هو الأكثر إستخداماً في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.

إن عبادة القديسين لهو أمر مرفوض تماماً من الكنيسة القبطية، ومع ذلك، فطلب شفاعاتهم (كطلب شفاعة السيِّدة العذراء مريم) هو شئ ثابت في أي صلاة قبطية. وكل كنيسة قبطية تُسمى على اسم قديس شفيع. ومن ضمن كل القديسين، فالسيدة العذراء مريم والدة الإله تحتل مكانة خاصة في قلوب جميع الأقباط. وقد كان ظهورها المتوالي اليومي في كنيسة صغيرة بحي الزيتون بالقاهرة لأكثر من شهر في إبريل 1968، كان هذا الظهور مشهوداً من آلاف المصريين، أقباطاً ومسلمون، وأكثر من ذلك، فقد تمت إذاعة بعض لقطات هذا الظهور على التليفزيون المصري القومي. يحتفل الأقباط بسبعة أعياد سيدية كُبرى، وسبعة أعياد سيدية صُغرى. فالأعياد السيدية الكبرى هي عيد البشارة وعيد الميلاد وعيد الظهور الإلهي (الغطاس) وأحد الزعف (الشعانين) والقيامة والصعود، وعيد البنديقوستي (أي عيد العنصرة وهو عيد حلول الروح القدس يوم الخمسين، وكلمة Pentecoste هي كلمة يونانية تعني محفل أو حفل)، وكذلك عيد الميلاد الذي يُحتفل به في 7 يناير من كل عام. الكنيسة القبطية تؤكد أكثر على مجيء السيِّد المسيح بالميلاد، وكذا بالأكثر على قيامته المقدسة. وعادة ما يكون عيد القيامة في الأحد التالي بعد أن يصبح القمر بدراً في الربيعأما عن الأعياد السيدية الصُغرى، فهي عيد الختان، ودخول السيد المسيح إلى الهيكل، ومجيئه إلى أرض مصر، وعيد عُرس قانا الجليل، والتجلي، وخميس العهد، وعيد تجديد توماوالنتيجة القبطية حافِلة بأعياد أخرى واحتفلات بذكرى إستشهاد أو إنتقال القديسين المشهورين (أمثال مار مرقس، مار مينا، مار جرجس، القديس تكلا هيمانوت، الشهيدة بربارة، الملاك ميخائيل... إلخ) في التاريخ الكنسي.

الأقباط لديهم مواسم للأصوام غير موجودة في أي طائفة مسيحية أخرى، فمن الـ365 يوماً في العام، يصوم الأقباط أكثر من 210 يوماً! وخلال الصوم، غير مسموح بتناول أي من منتجات الحيوانات (اللحوم، الدواجن، اللبن، البيض، الزبدة.. إلخ). وبالأكثر من ذلك، فغير مسموح بتناول أي طعام أو شراب من شروق الشمس وحتى غروبها! ولكن قواعد الصوم الإنقطاعي الصارمة هذه غالباً ما تُبَسَّط بصورة فردية حسب حالة كل شخص من حيث المرض أو الضعف أو السن أو غيره.. إن الصوم الكبير هو أهم الأصوام التي يهتم بها الأقباط. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات والكتب الأخرى). وهو يبدأ بأسبوع صوم كمقدمة لهذا الصوم الهام، يتبعه 40 يوماً كذكرى لصوم السيِّد المسيح الأربعين يوماً على الجبل، يتبعها أسبوع الآلام (اسمه البصخة Pasqua)، والذي يعتبر الذروة في هذا الصوم.. وهو يمثل أحداث أسبوع الآلام كلها وحتى الصَّلب في الجمعة العظيمة ونهاية بعيد القيامة المُفْرِح. ومن الأصوام الأخرى صوم مجئ السيد المسيح للعالم بالميلاد، وصوم الرسل، وصوم السيِّدة العذراء مريم، وصوم نينوى.





القديس مرقس الرسول

 

هو اول واشهر الشهداء في مصر وهو يوحنا الملقب مرقس وينحدر اصله من اليهود الذين كانوا قاطنين بالخمس المدن الغربية المسماه "بنتابوليس" التي كانت تقع في منطقه برقه بشمال افريقيا. وقد أنشأ اليونان هذه المدن فيما بين القرنين السابع والخامس الميلادي علي حدود مصر الشمالية الغربية. وكان ميلاد القديس مرقس في مدينة القيروان التي تقع في اقليم ليبيا بهذه المنطقة. وكان مرقس منذ ولادته ينعم بما كان لاسرته من ثروة كبيرة واراضي زراعية شاسعة ولذلك تمكن ابواه من ان يهيئا له افضل سبل التعليم والثقافة. فاتقن اللغتين اليونانية واللاتينية، كما اتقن اللغة العبرية وتعمق في دراسة كتب التوراة والناموس اليهودي. غير ان بعض القبائل المتبربرة من البدو هجمت علي اسرة مرقس في القيروان وهبتها – وكان ذلك في عهد الامبراطور الروماني اغسطس قيصر – فاضطرت هذه الكريمة إلى الهجرة، ومن ثم نزحت إلى فلسطين موطن اجدادها الاولين. وكانت قد استقرت هناك حين بدأ السيد المسيح ينادي ببشارته، وبذلك اتيح للقديس مرقس في حداثته ان يري السيد المسيح ويؤمن به ويصبح من تلاميذه. وكذلك تبعته ام مرقس واستضافته في بيتها. وصارت من النسوة اللاتي يخدمنه، كما كان بيتها هو اول كنيسة مسيحية في العالم، ولذلك كانت لهذه السيدة مكانه عظيمة بين المسيحيين الاوائل. وفي بيتها تناول السيد المسيح عشاءه الاخير مع تلاميذه عشية صلبه. وفيه كان يجتمع التلاميذ بعد قيامه السيد المسيح، حيث دخل عليهم واظهر لهم نفسه. وفي هذا البيت حل الروح القدس عليهم. وحين خرج بطرس من السجن الذي وضعه فيه هيرودس مزمعا ان يقتله بسبب تبشيره بالمسيحية. ذهب بطرس مباشرة إلى ذلك البيت. والراجح ان مرقس هو الشاب الذي تبع ليلة تسليمه، إذ يقول في الانجيل الذي يحمل اسمه:" وكان يتبعه شاب يلف جسده العاري بإزار فأمسكوه، فترك الازار وهرب عاريا" (مر 14: 51، 52 ).

وقد بدأ القديس مرقس كرازته مع بطرس الرسول في منطقة اليهودية، وفي جبل لبنان، وفي بيت عنيا، وفي مناطق من سوريا ولا سيما انطاكيا حتي سنه 45 ميلادية – ثم كرز مع القديس بولس وبرنابا في رحلتهما الاولي في قبرص وفي باخوس، حتي إذا وصلوا إلى " برجه بمفيلية " تركهما هناك وعاد إلى اورشليم سنه 51 ميلادية. ثم ظهر في انطاكية مرة اخري بعد مجمع اورشليم واشترك مع القديسين. وبولس في تاسيس كنيسة روما. وبعد ذلك قصد القديس مرقس وحده إلى مسقط رأسه في شمال افريقيا حيث بشر الخمس مدن الغربية وهي القيروان، وبرينيكي وبرقه وارسينوي وابولونيا.

وكانت هذه المدن في ذلك الحين تحت حكم الرومان، وكان شعبها خليطا من اليونايين والليبين والرومان واليهود وكانت ذات عبادات وثنية وثقافة يونانية. وقد وصل القديس مرقس إلى هذه البلاد في نحو سنه 58 ميلادية. وهناك واظب علي التبشير، وكانت تجري علي يديه كثير من المعجزات، مما جذب اليه كثيرين من المؤمنين فيقول ساويرس بن المقفع اسقف الاشمونيين في كتابه " تاريخ البطاركة " فلما عاد القديس مرقس من روما قصد الي الخمس مدن اولاً، وبشر في جميع انحاءها بكلام الله، واظهر عجائب كثيرة، حتي انه ابرأ المرضي وطهر البرص واخرج الشياطين، بنعمة الله الحاله فيه فأمن بالسيد المسيح كثيرون وكسروا اصنامهم التي كانوا يعبدونها وعمدهم باسم الاب والابن والروح القدس. وبعد ان قضي مرقس الرسول يبشر في الخمس المدن الغربية نحو تسع سنوات واتجه بعد ذلك إلى الاسكندرية سنه 61 ميلادي وكانت هي عاصمة مصر في ذلك الحين، كما كانت العاصمة الثقافية للعالم كله – وكانت مدرسة الاسكندرية الفلسفية الشهيرة هي مركز العلم والفلسفة في كل الامبراطورية الرومانية. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات والكتب الأخرى). وقد كانت تزدحم بعدد عظيم من كبار العلماء كما كانت تزدحم مكتبتها الشهيرة بمئات الالاف من الكتب النادرة والمخطوطات المتعمقه في كل العلوم، وكانت تلك المدينة الضخمة حينذاك تضم نحو مليون شخص من المصريين والرومان واليونان واليهود والفرس والاحباش وغير ذلك من الاجناس التي تعتنق عددا لا يحصي من ديانات الامم مختلفه. وقد وقف مرقس وحيداً امام كل هذه الديانات والفلسفات يتأهب لان يصارعها جميعا وان ينتصر عليها كلها.

وقد كان قدوم مرقس الرسول الي الاسكندرية في الغالب عن طريق الواحات، ثم الصعيد ثم تقدم شمالاً نحو بابليون ويقال انه في هذه الفترة كتب إنجيله بالغة اليونانية ثم غادر بابليون الي الاسكندرية، وهو لا يفتأ يجول مبشرا في الطرقات – وكان حذاؤه قد تمزق فمال علي إسكافي في المدينة يدعي انيانيوس ليصلحه. وفيما الاسكافي يفعل ذلك دخل المخراز في يده فأدماها، فصرخ قائلاً " ايس ثيئوس" أي " يا الله الواحد " فانتهز القديس مرقس هذه الفرصة واخذ يده فشفاها، ثم راح يبشر ه بذلك الاله الواحد الذي هتف باسمه وهو لا يعرفه، فامن الاسكافي بكلامه ودعاه إلى بيته، وجمع له اقاربه واصحابه فبشرهم بالمسيح وعمدهم فكانوا هم باكورة المؤمنين في مصر كلها.

فلما رأي الوثنيين بوادر نجاح الرسول في بشارته حنقوا عليه وراحوا يتربصون به الدوائر ليفتكوا به ولكنه واصل اداء رسالته غير عابيء بما يدبرون، فأقام انيانوس اسقفا، ورسم معه قسوسا وشمامسة، وشيد اول كنيسة بالاسكندرية في الجهة الشرقية منها عرفت بأسم " بوكاليا " وبذلك إزداد عدد المؤمنين زيادة كبري في وقت وجيز. وفي ذلك يقول المؤرخ السكندري يوسابيوس الشهير " كان جمهور المؤمنين الذين اجتمعوا هناك في البداية من الكثرة حتي ان الفيلسوف اليهودي فيلون وجده امرا جديرا بالاهتمام ان يصف جهادهم واجتماعاتهم وتعزياتهم وكل طرق معيشتهم ويقول الاب شينو في كتابه " قديسو مصر " إن الحياة التي تدعوا إلى الاعجاب في مصر بعد الايمان جعلت الفيلسوف اليهودي الشهير فيلون يؤكد فيما بعد ان الاسكندرية اعادت الينا ذكر الايام الاولي التي كانت لكنيسة اورشليم.

وقد اسس القديس مرقس بالاسكندرية مدرسة لاهوتية لتتصدي لتعاليم المدرسة الوثنية التي كانت هي الخلفية الطبيعية لمدرسة اثينا وكان يقوم بالتدريس فيها اكبر الفلاسفة الوثنيين في ذلك الحين. وقد اقام مرقس الرسول القديس يسطس اول رئيس للمدرسة اللاهوتية، هو الذي صار فيما بعد سادس بابا للاسكندرية.

كما ان القديس مرقس وضع القداس الالهي للصلوات الكنسية وهو المعروف بالقداس المرقسي والكيرلسي نظرا لان البابا كيرلس الاول هو الذي دونه بعد ان كان رجال الكنيسة يتسلمونه بعضهم من بعض شفهيا. فلما راي الوثنيين بوادر نجاح الرسول في بشارته اشتد حنقهم عليه وراحو يتربصون به الوائر ليقتلوه. ولكنه واصل اداء رسالته غير عابيء بما يدبرون ثم اعتزم ان يترك مصر بعض الوقت ويعود ليفتقد اولاده من المؤمنين في الخمس مدن الغربية ثم مضي منها إلى افسس حيث تقابل مع القديس تيموثاوس، ثم اتجه الي روما تلبية لدعوة القديس بولس الرسول، وبقي معه هناك حتي استشهاده في سنه 68م، وبعد ذلك عاد إلى مصر واستأنف فيها عمل الكرازة وقد كان عدد المؤمنين لا يفتأ يتزايد تزايدا عظيما. فلما كثر عدد المؤمنين وتوطدت دعائم الكنيسة التي اسسها تغلغل الحقد في قلوب الوثنيين عليه واضمروا الغدر به، حتي اذا كان عيد القيامة المجيد في 26 ابريل سنه 68م الذي يوافق 30 برموده بالتقويم المصري القديم وكان المسيحيون يحتفلون بهذا العيد في كنيسة بوكاليا وقد تصادف ان كان ذلك اليوم هو نفسه يوم الاحتفال بعيد الاله الوثني، وقد تدفقت جموع الوثنيين للاحتفال بهذا العيد، فلما علموا ان القديس مرقس يحتفل بعيد القيامة في الكنيسة مع شعبه حتي اندفعوا إلى الكنيسة في جموع ساخطة وهجموا علي القديس ووضعوا حبلا في عنقه والقوه علي الارض وراحو يسحلونه في طرقات المدينة وساحاتها وهو لا يفتأ يرتطم بالاحجار والصخور حتي تناثر لحمه ونزف دمه واستمروا يفعلونه به هكذا طوال النهار، حتي اذا خيم الليل القوا به في السجن. وفي ظلام ذلك السجن ظهر له السيد المسيح في نور عظيم وشجعه وقواه وهو يخاطبه قائلا (يا شهيدي الامين) واعدا اياه بفردوس النعيم، ولذلك اصبح لقب القديس مرقس المعروف به في طقوس الكنيسة وصلواتها هو (ثيورديموس) أي (ناظر الاله) ثم في فجر اليوم التالي عاد الوثنيين الي القديس مرة اخري، ورابطوا عنقه ايضا بحبل غليظ، ثم راحوا يسحلونه كذلك في كل طرقات الاسكندرية حتي اسلم الروح. علي ان موت القديس لم يهديء من ثائرة الوثنيين وحقدهم فاعتزموا حرق جثته بعد موته إمعانا في التنكيل به والتشفي منه وبالفعل جمعوا كومه عظيمة من الحطب واعدوا نارا للمحرقة، غير انه حدث في اللحظة التي اوشكوا فيها ان يلقوا الجسد في النار ان هبت عاصفة مصحوبه بمطر غزير فانطفأت النار وتفرق الشعب وعندئذ اسرع جماعة من المؤمنين فأخذوا الجسد وحملوه الي كنيسة (بوكاليا) ووضعوه في تابوت ثم صلي عليه خليفته القديس إنيانوس مع الاكليروس والشعب ودفنوه في قبر نحتوه في الجانب الشرقي من الكنيسة اطلقوا عليها اسم كنيسة القديس مرقس، وتحتفل الكنيسة القبطية في كل الانحاء بذكري استشهاد القديس يوم 30 برموده من كل عام وقد كان استشهاده في الثامنه والخمسون من عمره.

وقد ظل جسد القديس مرقس في تابوته حتي سنه 644م في كنيسة بوكاليا بالاسكندرية، وكانت تطل علي الميناء الشرقي للمدينة. فلما وقع الانشقاق العقيدي في مجمع خلقدونية سنه 450م تعرضت الكنيسة القبطية التي تؤمن بالطبيعة الواحدة والمشيئة الواحدة للسيد المسيح لاضطهاد عنيف من اصحاب بدعه الطبيعتين والمشيئتين الذين اطلق عليهم لقب الملكيين لانهم اعتنقوا مذهب الملك الروماني واستولي اولئك الملكيون علي الكنائس القبطية ومنها كنيسة القديس مرقس بالاسكندرية وبداخلها جسد القديس وظلت تحت سيطرتهم حتي سنه 644م. وفي هذه السنه التي تم فيها الفتح العربي لمصر بقياده عمرو بن العاص، حاول احد البحارة سرقة رأس القديس بعد ان فصلها عن الجسد وخبأها في سفينه معتقدا انها تخص رجلا عظيما ولكن حين تحرك اسطول عمرو بن العاص وخرج كله من الميناء حدث ان السفينة التي تحمل راس القديس ثبتت في مكانها ولم تشأ ان تتحرك علي الرغم من كل ما بذله البحارة من المحاولات، فادركوا ان في الامر سرا ومن ثم اصدر عمرو بن العاص امره بتفتيش السفينة. فلما اخرجوا الرأس تحركت السفينة علي الفور. فإستحضر عمرو بحار السفينة واستجوبه فلما علم انه سرق هذا الرأس من الكنيسة إستدعي القديس بطرس بطريرك الاقباط وسلمه الرأس كما وهبه عشرة الاف دينار لبناء الكنيسة لصاحب هذا الرأس الذي له كل هذه الكرامة. وبالفعل تم بناء الكنيسة بالاسكندرية وهي المعروفة بالمعلقة بالقرب من المسله الاثرية، وقد إستقر الرأس فيها حتي القرن السادس، بينما كان جسد القديس مرقس راقدا في كنيسة بوكاليا التي كانت لا تزال تحت سلطان الرومان الملكيين وقد ظل الجسد في هذه الكنيسة حتي حدث في نحو عام 815 م وبعدها بسنوات قليلة ان احتال بعض البحارة من اهل البندقية وسرقوه ونقلوه إلى مدينتهم حيث ظل بها واهتم حاكم البندقية جستنيان ببناء هيكل فخم جميل ووضع فيه الجسد، غير ان هذا الهيكل احترق سنه 977م فجدد عمارته الدوق بطرس ارسيلوا، ثم اقيمت للجسد كنيسة تعتبر من اضخم وافخم كنائس العالم وهي كنيسة القديس مرقس بالبندقية وقد بدأ في بناءها سنه 1052 م ولم يتم بناؤها الا في القرن الثامن عشر للميلاد وقد تباري في بنائها وزخرفتها اعظم واقدر مهندسي وفناني العالم فخرجت تحفه بديعة رائعة. أما رأس القديس مرقس فقد ذكرنا ان البابا بنيامين الثامن والثلاثين بدأ في بناء كنيسة لتوضع فيها الرأس. غير ان الرومان بدأوا يحاولون الاستيلاء علي الرأس ايضا. حتي اخذها الاقباط المؤمنين وخبأها في دير القديس مكاريوس ببريه شيهيت حوالي سنه 1013م. ثم في خلال القرن الحادي عشر وحتي القرن الرابع عشر تتابع نقل رأس القديس إلى كثير من بيوت اغنياء الاقباط لاخفائها عن الولاه العرب الذين كانوا لا يفتأون يفتشون عنها ليقسروا علي دفع مبالغ ضخمة لاستعادتها فكانوا لا يعلمون ان رأس القديس موجوده بإحد بيوت سراة الاقباط حتي يقبضوا عليه ويضربوه ويهينوه ويفرضوا عليه مبلغاً فاحشاً من المال فإذا اضطر إلى دفعه تركوا الرأس له وإذا رفض وعجز نكلوا به وأوثقوه والقوة في السجن وقد تكرر هذا مراراً كثيرة، وحتى تم أخيراً بناء مدفن خاص لرأس القديس في الكنيسة المرقسية بالإسكندرية في القرن الثامن عشر ووضع فيه داخل صندوق من الرخام. وذلك منذ ايام بطرس السادس.

و قد ظل جسد القديس مرقس راقداً في كاتدرائيته العظمى في البندقية منذ سنة 828 م حتى طلب البابا كيرلس السادس بطريرك الأقباط الأرثوذكس من بابا روما إعادة الجسد إلى موطنة الأصلى في مصر وكان ذلك بمناسبة الاحتفال بمرور تسعة عشر قرناً على استشهاد القديس، وكذلك بمناسبة تأسيس الكاتدرائية المرقسية الكبرى بأرض الأنبا رويس بالعباسية بالقاهرة لتكون مقراً للجسد المقدس وفي يوم 24 يونيو سنة 1968 ميلادية عاد الوفد الذي أوفده البابا كيرلس السادس لإعادة الجثمان إلى مصر، ومعه أعضاء البعثة التي أوفدها بابا روما ما يحملون الرفات المقدس. وكانت في هذه الأثناء أجراس الكنائس تدق في القاهرة كلها ابتهاجاً بهذه المناسبة الرائعة.

ثم في الساعة السادسة من صباح يوم الأربعاء 26يونيه سنة 1968م بدأ الاحتفال الدينى الطقسى بإفتتاح الكاتدرائية المرقسية الجديده بدير الأنبا رويس بالعباسية بالقاهرة، فجاء قداسة البابا كيرلس السادس بسيارته يحمل صندوق رفات القديس مرقس الرسول من الكاتدرائية المرقسية بالازبكية التي ظل موضوعاً بها منذ ثلاثة ايام وتقدم الموكب يحف به المطارنة والأساقفه والكهنة والشمامسة إلى أن صعد البابا إلى الكاتدرائية الجديدة، ووضع الصندوق بكل إجلال على مائدة خاصة في شرقية الهيكل، وبدأت مراسم القداس الحبرى الحافل الذي خدمه قداسة البابا كيرلس السادس واشترك معه مار أغناطيوس يعقوب الثالث بطريرك إنطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس وعدد من المطارنة الأقباط والأثيوبيين والسريان والهنود الأرمن الأرثوذكس، وحضرة الإمبراطور هيلاسلاسى الأول إمبراطور أثيوبيا والكاردينال دوفال رئيس البعثة البابوية الرومانية وكثير من رؤساء الأديان والمطارنة والأساقفة ورجال الدين من مختلف بلاد العالم ونحو عشرة آلاف من الشعب وما أن انتهى القداس حتى نزل البابا كيرلس يحمل الرفات ومعه الإمبراطور وبطريرك السريان الأرثوذكس ورؤساء الكنائس في موكب كبير واتجه إلى مزار القديس مرقس الذى كان قد سبق إعداده تحت المذبح الرئيسى للكاتدرائية وأوضع الصندوق المزخرف فى القبر الرخامى وغطس بلوحة رخامية كبيرة وسط الترتيل والأناشيد. وقد اشتهر القديس مرقس الذي أسس كنيسة الإسكندرية بلقب ظل يطلق علية على مدى التاريخ القبطى كله وهذا اللقب هو "كاروز الديار المصرية ورئيس بطاركة كرسى الإسكندرية العظمى".

و قد اشتهر أسم القديس مرقس على مدى التاريخ المسيحى والقبطى فأصبح يطلق بعده على كثير من البطاركة والأساقفه والكهنة والرهبان والكنائس باعتباره هو كاروز الديار المصرية ومؤسسها.

أ- فمن بطاركة الأقباط الأرثوذكس أطلق اسم هذا القديس على سبعة منهم وهم البابا مرقس الثانى البابا 49 - البابا مرقس الثالث البابا 73 - البابا مرقس الرابع البابا 84 - البابا مرقس الخامس البابا 98 - البابا مرقس السادس البابا 101 - البابا مرقس السابع 106 - البابا مرقس الثامن 108.

ب- أما الأساقفة الذين أطلق عليهم القديس مرقس فكانوا كثيرين جداً، لم يخل منهم عهد ومكان ومن أمثلة ذلك انه عندما قام البابا بنيامين وهو الثانى والثمانون بصنع الميرون شاركه في ذلك إثنا عشر أسقفاً كان منهم أربعة باسم مرقس. وفي عهد البابا ديمتريوس الثانى كان وكيل الكرازة المرقسية وهو الأنبا مرقس مطران البحيرة. كما كان يوجد بهذا الأسم الأنبا مرقس مطران ابو تيج. ويوجد حالياً نيافة الأنبا مرقس الأسقف الارثوذكسى لمرسيليا وطولون بفرنسا، إلخ..

ج- أما الكهنة والرهبان والنساك الذين يحملون اسم القديس مرقس فعددهم عظيم جداً يصعب حصره. وقد بنيت كنائس كثيرة في أنحاء مصر باسم القديس مرقس فأندثر بعضها وبقيت آثار البعض الآخر.

من أقاصى الأرض خرج منطقهم وإلى أقصى المسكونه بلغت أقوالهم.



البابا إنيانوس (البطريرك الثاني)
68
م
- 86 م

 

لما كان القديس العظيم مار مرقس الرسول هو مؤسس الكنيسة القبطية فهو يعد البابا الأول للإسكندرية، وتعاقب من بعده الباباوات على سدته وكانوا خلفاءه واستمروا يتعاقبون الواحد تلو الأخر في سلسلة مترابطة متصلة الحلقات منذ استشهاده إلى يومنا هذا حتى الخليفة المرقسى الأن حضرة صاحب الغبطة والقداسة البابا المعظم الأنبا شنوده الثالث البابا المائة والسابع عشر وكان انيانوس الخليفة التالى لمار مرقس وقد نال كرامة رياسة الكهنوت المقدس على يد القديس البشير نفسه.



+ من هو انيانوس؟

إن إنيانوس باكورة العمل الكرازى للقديس العظيم مار مرقس. هو البطريرك الثانى من بطاركة الكرسى الإسكندرى. وقد كان من أهالى مدينة الإسكندرية، إبنا لوالدين وثنيين وكان إسكافياً وحدث عند قدوم العظيم مار مرقس الرسولى إلى الإسكندرية قادماً من الخمس مدن الغربية بعد قضاء تسع سنوات هناك انه اتجه إلى الواحات ثم الصعيد ثم تقدم شمالاً نحو نابليون وغادرها إلى الإسكندرية وهو يجول مبشراً في طرقاتها حتى انقطع حذاؤه وكان ذلك فاتحة خير لأعماله المجيدة إذ دبرت العناية الإلهية أن يمر على إسكافى بالسوق هو إنيانوس وبينما هو يصلح حذاءه دخل المخرز في إصبعه، فصرخ قائلاً (ايس ثيئوس اى يا الله الواحد) فتعجب القديس مرقس عند سماعه هذه الكلمة اليونانية ووجدها فرصة مناسبة ليحدثه عن الله الواحد. وكان لبد أن يشفى يده أولاً ويخلصه من ألمه ثم يتحدث معه بعد ذلك. وهكذا تفل القديس مرقس على اتراب من الأرض ودهن به أصبع إنيانوس فبرئ في الحال وتعجب إنيانوس جداً من هذه المعجزة التي حدثت باسم يسوع المسيح وتفتح قلبه لكلمة الله.

و أخذ القديس مرقس يسأل إنيانوس عمن يكون هذا الإله الواحد الذي نطق الإسكافى بإسمه. فأجابه انيانوس اننى لا اعرف ولكنى اسمع عنه وهنا بدأ القديس مرقس يحدثه عن ألوهية السيد المسيح وعن سر تجسده وموته وقيامته وعمل الآيات باسمه وما ان إنتهى انيانوس من اصلاح الحذاء وسلمه لمار مرقس، حتى دعاه أن يذهب معه إلى بيته ليكمل له هذا الحديث اللاهوتى الشيق وجمع له اقاربه واصحابه ولما دخل مار مرقس إلى بيت انيانوس رسمه بعلامة الصليب المقدس وقال "بركة الرب تحل في هذا البيت" وقد صار البيت فيما بعد كنيسة بأسم مار جرجس كما ورد في سنكسار 20 هاتور وفي تاريخ البطاركة لابن المقفع. وعرف هذا الموضع على مدى تاريخه الطويل بعده اسماء مختلفه منها (بيت انيانوس) وكان كنيسة تحت الارض بأسم مارمرقص وفيها دفن القديس مرقس في موضع اسفل هذه الكنيسة. اصبحت من بعده عادة ان تدفن الاباء البطاركة الاسكندريين بعد نياحتهم مع جسد مارمرقس في مقبرته. ثم جلس مارمرقس مع إنيانوس ومع اسرته يحدثهم عن السيد المسيح وعما ورد عنه في كتب الانبياء وما حدث في صلبه العظيم والفداء الذي قدمه للعالم من اجل افتدائنا ومصالحتنا مع الله. فاتضاء عقل إنيانوس وامن هو اهل بيته وعمدهم مارمرقس فكانوا هم باكورة المؤمنين في مصر كلها والثمرة الاولي لتعب مارمرقس في سبيل نشر الكرازة.



رسامته اسقفاً:

امام ازدهار الايمان الكبير في مصر ونجاح مرقس الرسول في بشارته استشاط الوثنيون غيظاً وفكروا في قتل مارمرقس وراحوا يتربصون به الدوائر ليفتكوا به فنصحه المؤمنين ان يبتعد قليلا من اجل سلامة الكنيسة ورعايتها حينئذ قام بسيامه القديس إنيانوس اسقفا علي الاسكندرية حوالى عام 64م صام معه ثلاثه من الكهنه هم ميليوس وسابينوس وسردنوس وايضا سبعه من الشمامسة. كانت سيامته في مده حكم وسبانيوس قيصر في شهر بشنس.

ثم ذهب مارمرقسليفتقد الشعب الذي بشره في الخمس المدن الغربية بلبيا والذين حملوا رساله الكرازة إلى مواطنهم اثناء غياب القديس العظيم مارمرقس ومكث هناك سنتين يبشر ويرسم كهنه بعد استشهاد الرسولين العظيمين القديس بطرس والقديس بولس رجع مارمرقس إلى الاسكندرية فواجد ان تعبه لم يذهب هباءاً وان غرسه قد نما وازدهر وكان عمل القديس إنيانوس الاسقف في الكرازة واضحا لدرجة ان عدد المؤمنين قد تزايد جدا وقد بنوا لهم كنيسة في المنطقة الشرقية من الاسكندرية عرفت بأسم " بوكاليا " (كلمة بوكاليا معناها دار البقر وقيل انها سميت كذلك لانها كانت حظرة للبقر ولانها كانت تنبت في ذلك المكان حشائش واعشاب بريه فكانوا يرعون فيها البقر وموضعها الان الكنيسةالمرقسية بالاسكندرية) كما بنوا إلى جوارها عدداً من المساكن جعلوها بيوت ضيافة للغرباء والفقراء ثم لما نال الكاروز العظيم إكليل الشهادة في 30 برمودة في السنه الرابعة عشرة لحكم نيرون الظالم في 26 ابريل سنه 68 م اتي القديس إنيانوس ومعه جماعه من المؤمنين الباسلين فأخذوا جسد ابيهم في الايمان وحملوه إلى كنيسة بوكاليا ووضعوه في تابوت حيث صلي عليه خليفته القديس انيانوس مع الاكليروس وكل الشعب وتبارك الجميع منه وتسلم انيانوس رعايه الشعب المسيحي مباشرة لانه قد نال الكرامة الاسقفية من يد القديس مرقس نفسه عام 64م أي قبل استشهاده باربع سنوات. فاصبح انيانوس بذلك البابا الاسكندري الثاني واول السلسة التي تتألف من تعاقب خلفاء القديس مرقس واحدا بعد الاخر علي السده المرقسية الجليلة. وقد كان البابا انيانوس من الحكماء الصالحين الساهرين علي رعيتهم يعلم الشعب وثبته علي الايمان القويم باخلاص متناه وبهمة لا تعرف الملل وكان فوق كل هذا علي جانب عظيم من البساطة والتواضع فاستطاع بجهاده الحسن ان يكسب عددا كبيرا من الشعب إلى المسيحية كما استطاع ان ينشر الايمان المستقيم في ربوع مصر وان يثبت قلوب المصريين علي هذا الايمان فقام الكثيرون من ارباب المناصب العالمية والاكابر والاعيان وبعض رجال الدوله بالالتفاف حوله بعد اعتناقهم الديانه المسيحية وكثر المؤمنين فرسهم منهم كهنه وخداما.

وقد شهد المؤرخون للبابا انيانوس بالصلاح والتقوي وقال عنه اوسابيوس المؤرخ " انه كان محبوبا من الله مقبولا عنده " وقال اخر " كان قلبه ينظر قلب الله ويعرف مشيئته ويتممها "



نياحته:

تنيح في 20 هاتور من عام 86 م وهي السنه الثانية من ملك دوميتيانوس امبراطور الرومان وكان قد تولي اثناء جلوس البابا انيانوس علي كرسي مارمرقس سبعه قياصرة هم نيرون وجلبا وواثون وفيتليوس وسباسيان، وتيطس، ودومتيان.

بهذا يكون البابا انيانوس قد سيم اسقفا عام 64م بيد القديس مرقس نفسه وجلس علي كرسي مارمرقس كخليفة له فيعام 68م واستمر في خلافته المرقسية حتي 20 هاتور 86 م. تاريخ نياحته بسلام أي نحو اثنين وعشرون سنه من رسامته اسقفا فيكون بهذا قد استمر مسئولا عن شعب السيد المسيح كبطريرك مده ثماني عشرة سنه وكانت ايام رئاسته كلها هدوءا واستقرارا.

وكان البابا انيانوس اول من حمل لقب "بابا" كما يتضح من المخطوطات القديمة ولقد حمل خلفاء مارمرقس لقب " بابا" ومعناه " ابو الاباء " من البداية وقد جاء في اوشية الاباء للقداس الالهي للقديس مرقس والذي رتبه فيما بعد البابا كيرلس عمود الدين (البابا الاسكندري الـ24).

ما نصه:

صلوا من اجل ابينا الانبا (فلان) بابا وبطريرك وسيد ورئيس اساقفه مدينة الاسكندري العظمي.

فلتكن روح القدس البابا انيانوس والبطريرك الثاني معنا وليعطينا الرب ان نسير معه علي الطريق فلا نفتخر باطلا باننا ابناء ابناء القديسين دون ان نعمل عملهم مكملين رسالتهم.



البابا ميليوس البطريرك الثالث
86
م
- 98 م

 

يعتبر البابا ميليوس ثالث بطاركة الاسكندرية وقد انتخب للبطريركية بعد نياحة البابا انيانوس في شهر كيهك سنه 86 م في السنه الخامسة عشرة من ملك دوميتيانوس قيصر ابن اسباسيانوس ملك رومية وقد انتخب باجماع اراء الشعب. وكان هذا البابا مشهورا بالعفاف متصفا بالتقوي والغيرة علي رعية المسيح فحذا حذو سلفه في بث الدعوة إلى الايمان وقد نال الكرامة الكهنوتية العليا بعد صعود ربنا يسوع المسيح بخمس وخمسين سنه فرعي رعية الله احسن رعاية اقام علي الكرسي المرقسي اثنتي عشر سنه وتنيح في اول توت 98م.



البابا كردنوس البطريرك الرابع
98
م
- 108 م

 

إجتمع الاساقفة والكهنة والشعب وتشاورا حول من يجلس خلفا للبابا ميليوس فالقوا قرعه لكي يعرفوا من يستحق الجلوس علي كرسي الاسكندرية فأتفق رأيهم بتأييد روح الله القدوس علي إنتخاب رجل فاضل اسمه كردنوس قيل أنه ممن عمدهم الشهيد مرقس الرسول فرسم بطريركاً في 7 توت 98 م. في عهد تراجان قيصر وكان عفيفاً متصفاً بكل الصفات الصالحة فرعى الكنيسة باجتهاد وأمانة فكان أشهر وأتقى وأعلم وأفضل رجال الدين في عصره، وقبض عليه واستشهد في الإضطهاد الذي اثاره تراجان قيصر في 21 بؤونة 108 م. وكانت خدمته للكنيسة مدة 10 سنين و9 شهور و10 أيام وقد خلا الكرسي بعدة ثلاث سنوات – وتزيد – نظرا لشدة الاضطهاد وعدم تمكن الشعب المسيحي من انتخاب خليفة له.



مدرسة الإسكندرية اللاهوتية

 

نشأة هذه المدرسة وشهرتها:

عندما حضر مارمرقس إلى مصر كانت الإسكندرية مركزاً هاماً للثقافة الوثنية، وفي مدرستها الوثنية ومكتبتها الشهيرة تخرج كثير من الفلاسفة والعلماء – فكان لابد أن يقيم مدرسة لاهوتية لتثبيت الناس في الدين وترد على افكار الوثنين وكان مارمرقس نفسه باللغات العبرية واللاتينية واليونانية وحسب ثقافته أدرك مقدار خطر الفكر الوثني وهكذا انشأ مدرسة لاهوتية مسيحية في الإسكندرية عين لرئاستها العلامة يسطس.



المدرسة الوثنية والمدرسة المسيحية ومدى العلاقة بينهما:

المدرسة الوثنية هي التي أنشأها بطليموس الاول ملك مصر وقد بلغت ذروتها في العلوم والفلسفة في القرن الاول للمسيحية ولم توجد مدرسة تعادلها في دراستها الطبيعية والعلمية في الطب والتشريح والرياضة والفلك من أجل هذا كانت هذه المدرسة منافسا للمدرسة المسيحية. ومع ذلك عاشت المدرستان جنباً إلي جنب لكل منها طابعه الجامعي الخاص.



ولكن هدف التعليم في المدرستين يختلف:

اولاً: هدف الدراسة في المدرسة الوثنية هو الوصول إلى مركز مرموق في الدولة بينما في المدرسة المسيحية لم يكن هدفاً على الرغم من أن خريجي هذه المدرسة يصلحون لذلك.

ثانياً: كان مستوى طلبة المدرسة الوثنية الأخلاقى وكذلك الأساتذة منحطاً بعكس المدرسة المسيحية فالأخلاق كانت من ابرز خواص المدرسة أساتذة وطلبة.

ثالثاً: أن الفلسفة والعلوم كانت تدرس في المدرسة الوثنية بقصد الثقافة بقصد بينما كانت تدرس في المدرسة المسيحية لغرض ديني.

رابعاً: كان طلبة المدرسة الوثنية من مستوى ثقافي وأجتماعى معين والطلبة كانوا ذكروا فقط عكس المدرسة اللاهوتية كان التعليمن عاما للجميع لا تميز بين السيد والعبد والذكر والأنثى الجميع واحد في المسيح يسوع بالإضافة إلي أن سنوات الدراسة في المدرسة الوثنية كانت محدودة عكس المدرسة اللاهوتية فكانت غير محدودة.



المدرسة اللاهوتية (سماتها ومنهجهاً وخطة الدراسة فيها):

كان فلاسفة الوثنيون يدرسون الكتاب المقدس لكي ينقضوه ويشككوا الناس فيع ولذلك وقفت المدرسة اللاهوتية تناهض الوثنية بكل طاقاتها واصبح لها دور هام في المنافسة الفكرية حتى إنها أدخلت في برامجها الفلسفية الوثنية بشتى فروعها على يد القديس إكليمنضس الإسكندري Clement of Alexandria (حتى تستطيع ان ترد على هجمات الوثنين) كما نادى القديس إكليمنضس بأن الفلسفة خادمة امونيوس السقا زعيم فلاسفة الوثنين.



أما عن خطة الدراسة ونظامها في الدراسة اللاهوتية:

* لم تكن الدراسة بالمدرسة اللاهوتية دراسة عقلانية كما توهم البعض لكن كانت هناك رياضيات روحية فكانوا يصلون ويقرأون ويصومون.

* وقد كانت الاكليريكة في عهدها الأول مدرسة دينية مسيحية تعنتي بشرح التعليم المسيحي وتبسيطة بطريقة السؤال والجواب وكان طلابها من ثلاثة أنواع:

1 – فريق كان وثنيا يريد أن يعرف الحقيقة، فيفتش عليها بالدراسة في هذه المدرسة.

2 – الفريق الثانى من كان وثنياً وأمن بالمسيحية ولكنه لم يكن قد حصل على سر المعمودية (أي كان في صفوف الموعوظين) وما زال يدرس ويؤدى امتحانات حتى إذا جاز الامتحان النهائى يسمح له بالعماد.

3 – الفريق الثالث والأخير وهم المسيحيين ولكن للدخول للعمق اكثر ولكي يزداد رسوخاً وأيماناً يدرس في هذه المدرسة ولكي يتمكن من الخدمة في الكنسة والعمل على نشر المسيحية.

و لقد تناظر أساتذة وعلماء المدرستين الوثنية واللاهوتية وكان نتيجة لذلك أن اهتمت المدرسة اللاهوتية بدراسة العلوم والثقافة المختلفة فقد أدخلت فيها علوم الطب والكمياء والطبيعة والحساب والهندسة والفلك والجغرافيا والتاريخ والموسيقى واللغات.

و لم يكن للمدرسة الاكليريكية اللاهوتية في عهودها الأولى مبنى خاص أنما كانت مركزة في علمائها. وحيثما يوجد أستاذها كانت توجد المدرسة – وكان الأستاذ يأخذ تلاميذه في بيته الخاص. وقد ذكر عن العلامة اوريجانوس اشهر أساتذتها يستأجر لها قاعات ليعظ فيها في أيام الاضطهاد والاستشهاد فلما كانت تلك القاهات تحطم بسببه كان يستأجر غيرها ويعلم في أى مكان. وقد كان الأستاذ له الحرية أن يعلم طلبته كما يتهيأ له الظروف وكما توصى إليه طبيعته الخاصة وحاجة الطلاب وظروفهم ولكن بعد ذلك بدأت الاكليريكية تعد منهج خاص للدارسين ينقسم إلى ثلاث مراحل:-

 المرحلة الأولى:-

مرحلة العلوم فيها يدرسون الهندسة والفسيولوجيا والفلك (هذه الدراسة لتنمية ملكات الاستدلال والملاحظة والنظام).

المرحلة الثانية:-

دراسة الفلسفة وأقوال الفلاسفة وتفسيرها.

المرحلة الثالثة:-

مرحلة دراسة العلوم اللاهوتية وكان المنهج الجدلى هو المنهج المتبع في دراسة اللاهوت. هكذا كان لمدرسة الإسكندرية اللاهوتية أهمية خاصة حتى أن الإمبراطور ثيؤدسيوس قال مرة "أن الذي يهرب من هذه المدرسة يعد كافراً"!



مدرسة الإسكندرية والتفسير الرمزى:-

كان عمل المدرسة الرئيسى هو شرح كلمة الله بطريقة روحية وإعلان ما تحمله من أعماق داخلية وراء الرموز.

و كانت مدرسة الإسكندرية التعليمية أشهر معهد في العالم المسيحى الأول وكان اهتماماً منصبا على دراسة الكتاب المقدس وقد ارتبط اسمها بالتفسير الكتابى.



دور المدرسة في حياة الكنيسة واثار طلبتها وخريجها وأساتذتها:-

كانت المدرسة جزءا لا يتجزأ من الحياة الكنسية وقدمت ضوءاً على أهمية العلم والتعليم بوجه عام كما خلقت قادة فى الفكر وفي العمل الكنسى الرعوى على المستوى المحلى والمسكونى.

1- اهتمام المدرسة بالفلسفة اليونانية تترع عنها أى نظرة ضيقة نحو المسيحية كتراث إقليمى يرتبط بجماعة محلية وثقافيه خاصة وبهذا ربحت الكنيسة نفوس كثيرة للسيد المسيح من عينات مختلفة على كافة الممستويات الفلسفيه والفكرية ووصف " شان" قدرة المدرسة على الكرازة بين الفئات المتباينة خلال اتساع نظريتها قائلاً " كانت من جهة حصنا للكنيسة ضد الاشرار... ومن جهة أخرى كانت جسر للعبور من العالم إلى الكنيسة".

2- هذا الاتجاه جعل من أساتذة المدرسة رجالا مسكونيين (أمثال إكليمنضس واريجانوس) وفي القرون التالية حمل رجالها أمثال القديس اثناسيوس الرسولى وكيرلس الكبير مسئوليات كنيسة على مستوى مسكونى وجاء من تلامذتها قادة فكر مسيحى أمثال القديس غريغوريوس اسقف نيصص الذي يفتخر دوماً بمعلمه القبطى العلامة اوريجانوس.

3- استطاعت المدرسة أن تروى ظمأ المسيحيين بالاسكندرية نحو المعرفة الدينية وتحثهم علي الدراسة والبحث وبهذا ساهمت في إنشاء اول نظام للدراسات اللاهوتية في العالم وكانت بحق مهد اللاهوت المسيحي منها خرج رجال قادرون علي الرد علي امثال اكليمنضس وارويجانوس والدفاع ضد الاريوسية مثل القديس اثناسيوس وضد نسطور مثل القديس كيرلس الكبير.

4- قيام هذه المدرسة اعطي إمكانية الحصول علي التعليم الذي تقدمه المدرسة الوثنية العظمي لكن بواسطة معلمين مسيحيين.



لم يقف عمل المدرسة اللاهوتية بالإسكندرية علي حد تخريج البطاركة وأبطال المجامع المسكونية، ولكن عملها امتد خارج الكرازة المرقسية.

فقد تخرج من هذه المدرسة كثير من الاساقفة المشهورين لايبارشيات خارج الكرازة المرقسية، ومن امثلتهم:

- اغريغوريوس العجايبي الذي كان امن علي يد العلامة اوريجيانوس وصار تلميذا له وكتب رساله كبيرة يمتدح فيها ما قاله من دراسة عميقة في المدرسة وما اخذه من قدوة صالحة من الاساتذه.

وكثيرون لم يتتلمذوا شخصيا في مدرسة الاسكندرية اللاهوتية ولكنهم تتلمذوا علي كتب علمائها.

ومن هؤلاء القديسون:

- باسيليوس الكبير

- اغريغوريوس الناطق بالالهيات

- ويوحنا ذهبي الفم الذين تتلمذوا علي كتب اوريجانوس ودافعوا عنه.

وقد احتمل ذهب الفم المحاكمة في سبيله.

ومن هنا جاء تسمية بطاركة الاسكندرية بقضاة المسكونة.

من علماء هذه المدرسة المشهودة لهم الفيلسوف اثينا غوراس Athenagoras of Athens وهو من المدافعين المشهورين عن المسيحية وعقائدها. ومن فلاسفتها ايضا القديس بنتينوس العلامة الذي بشر في الهند وبلاد العرب. الذي له الفضل الكبير علي اللغة القبطية ثم القديس اكليمنضس الاسكندري الذي امن بالمسيحية علي يد بنتينوس وصار من اشهر علماء المسيحية ووضع كتبا عديدة اشهر المتفرقات.

وخلف هذين العالمين القديسين العلامة اوريجينوس اشهر فلاسفة المسيحية وكتابتها في شتي العصور وهو يعد من علماء المدرسة الرمزية في التفسير وسار علي منهجة فيما بعد القديس اوغسطينوس.

ومن علماء المدرسة ايضا البابا ديونيسيوس (14) وقد اعتبر حجة في اللاهوت. ومن العلماء الافزاز الذين تخرجوا منها البابا القديس اثناسيوس الرسولي (20) الذي يعتبر ابا لجميع علماء اللاهوت والذي وضع قانون الايمان المسيحي وتزعم الدفاع عن لاهوت الابن في مجمع نيقيه وباقي ايام حياته ووضع كتبا كثيرة اشهرها الرد علي الاريوسيون وتجسد لكلمة والرساله ضد الوثنين ورسائل عن الروح القدس وحياة القديس انطونيوس وقد نقل هذه الكتب الاربعة الاخيرة إلى اللغة العربية الاب الموقر القمص مرقس داود.

وفي عهد القديس اثناسيوس الرسولي تولي قيادة هذه المدرسة اللاهوتية العالم الكبير القديس ديديموس الضرير Didymus the Blind – وقد اشتهر بعلمه الكبير حتي اتي القديس جيروم ليدرس علي يديه بالاسكندرية وترجم له كتابه عن (الروح القدس) إلى اللاتينية كما امتدحه القديس انطونيوس الكبير وقال له لا تحزن يا ديديموس لفقدك بصرا جسديا يوجد لدي الحيوانات والحشرات لكن ينبغي ان تفرح ان لك عينان روحانيتان تستطيع ان تنظر بهما نور اللاهوت. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات والكتب الأخرى). وقد امتاز ديديموس بقوة إقناعه وبادبه الجم في مناقشاته اللاهوتية حتي درس علية كثير من فلاسفة الوثنيين وخلف لنا كتبا كثيرة في اللاهوت والعقيدة والتفسير.

ومن الاساتذه الاخرين لهذه المدرسة ثاؤغنست وبيروس القديس ديونسيوس ولقد لقب بيروس لعمق بأنه (اوريجانوس الجديد) وتولي قيادة المدرسة ايضا سرابيون ومقار قبل القديس ديديموس ورودون في عهد البابا كيرلس الكبير.

ويوجد الكثير من الآباء المعاصرين الذين قاموا بترجمة تاريخ علماء المدرسة اللاهوتية.



بدء الاضطهادات

بدأت الاضطادات ضد الكنيسة منذ القرن الأول. وأهم هذه الاضطهادات هو اضطهاد نيرون سنة 64م الذي استشهد فيه الرسولان العظيمان بطرس وبولس. إلا أن مصر سلمت نوعاً ما في هذه الفترة من الاضطهاد، مما جعل الكنيسة المصرية تمتد وتنتشر إلى الأقاليم جنوباً وغرباً. ولكن سرعان ما تغيّر الحال في القرن الثالث.

ففي سنة 202 جلس على عرش روما الإمبراطور سبتيم سيفير. الذي تخوّف من انتشار المسيحية في إمبراطوريته وأراد وقف انتشارها . فحرّم التنصّر وأمر بالقبض على المهتدين إلى المسيحية والهادين لهم. وكان لهذا الاضطهاد وقع خاص على كنيسة مصر ولا سيما على مدرسة الإسكندرية التي كانت تقوم بتعليم الموعوظين وتجذب الكثيرين إلى المسيحية، فأغفلت أبوابها بعض الوقت وهرب مديرها إكليمنضس واستشهد الكثير من الموعوظين. وأهم ضحايا هذا الاضطهاد لاوينداس والد أوريجانس والعذراء بوتاميانا التي طرحوها وأمها في الزيت المشتعل.

وسكنت العاصفة بموت سبتيم سيفير سنة 212، وعاشت الكنيسة نحو أربعين سنة في سلام. وقد بدأت الإمبراطورية الرومانية تتبع سبيل المصالحة مع المسيحية في عهد فيليب العربي 244 فالإمبراطور الجديد كان فلسطيني الأصل، وكانت بينه وبين أوريجانس معلم المدرسة الإسكندرية الشهير مراسلات متواصلة. وزعم القديس إيرونيموس أن فيليب العربي كان أول إمبراطور مسيحي ولو أنه لم يعلن ذلك جهراً.

الاضطهادات الكبرى

بعد فترة من السلام للكنيسة دامت أربعين سنة تقريباً تولى العرش الإمبراطور داقيوس سنة 250. وهو سليل أسرة عريقة تقيم على ضفاف نهر الدانوب، راعه ما رآه من انحلال الإمبراطورية فعزم أن يجدد نظمها الوثنية ويوحّد سكان إمبراطوريته الشاسعة الأطراف حول العبادة الإلهية لروما وللإمبراطور. وذلك بقرار إمبراطوري يطبق على الجميع تحت طائلة أقسى العقوبات بالتعذيب والنفي أو الإعدام للمتمردين. فألحق ذلك بالمسيحية كلها ولا سيما في مصر ضروباً من الإرهاب والإكراه لم يسبق لها مثيل "فكان الجنود في الإسكندرية يقطعون رؤوس النساء على مشهد من الجموع، إشباعاً للغرائز ويدفعون البنات المسيحيات إلى أقبح صنوف الهوان والعار، ومن لا يُلقي من المسيحيين إلى الوحوش كان يُحرق حياً في مواقد مستمرة. ومن لم يُحكم عليهم بالموت، يُوثقون بالقيود، اثنين اثنين، ويُرسلون جموعاً كبيرة، كالمواشي إلى المناجم والمحاجر، مع اللصوص والمجرمين، يعيشون تحت الأرض حتى الموت عيشة احتضار مستمر"(1).

وقد استشهد الألوف من المسيحيين بكل بسالة. ولكن أمام هذه العذابات المريعة ضعف البعض لا سيما ذوو المراكز العالية حتى من بين رجال الإكليروس. فكان المرتدون على أنواع منهم الجاحدون الذين قدموا البخور للأوثان ومنهم المتظاهرون الذين قدموا البخور ولكنهم ظلوا متمسكين بالإيمان في قلوبهم ومنهم من حصل على شهادة بتقديم البخور بينما لم يفعلوا وذلك بدفع ثمن معين.

ولكن سرعان ما جمعت الكنيسة في المحنة صفوفها وعرفت كيف تبث روح المسيح في قلوب مؤمنيها، وما أن مرت عدة سنوات حتى احتاج الإمبراطور فاليريان إلى المال فأشار عليه مكربان مستشاره أن يستولي على أموال المسيحيين فأمر باضطهاد أشر من اضطهاد داقيوس، فكان رد فعل المسيحي من النبل والشهامة بحيث تهيبه الشعب الوثني، وبرهن الأساقفة والكهنة والشمامسة ووجهاء المسيحيين وعامة المؤمنين، برهنوا عن بطولة فائقة في تحمسهم وتسابقهم إلى الاستشهاد.

ومن أشهر ضحايا هذا الاضطهاد قبريانوس أسقف قرطاج وديونيسيوس بابا الإسكندرية الذس تحمل عذاب المنفى في ليبيا. ونال فاليريان جزاء جرائمه إذ انهزم هزيمة نكراء ووقع في يد الفرس الذين استعبدوه وأذلوه.

وبعد انتهاء هذا الاضطهاد سنة 259 بموت هذا الامبراطور الطاغي ثارت في الكنيسة مشكلة قبول التائبين الراغبين في الرجوع إلى الكنيسة.. وكان هناك موقف متشدد من مبلسيوس أسقف أسيوط يمنع قبولهم وموقف أكثر اعتدالاً ورحمة يتزعمه كرفليوس أسقف روما وديونيسيوس بابا الإسكندرية.

الصراع الأخير

اضطهاد ديوقلديانوس وغلاريوس من 303-313

لم تظهر على ديوقلديانوس في العشرين سنة الأولى من حكمه أي نزعة دموية بل كان مسالماً وكان عدد المسيحيين يتزايد بين جميع الطبقات حتى في القصر الإمبراطوري نفسه، إذ كانت زوجته بريسكا وابنته فاليريا في عداد الموعوظين. ولكنه انقلب فجأة ضد المسيحيين لأسباب غير واضحة تاريخياً ويُرجح أن ذلك تم تحت تأثير معاونه غلاريوس الذي كان وثنياً متعصباً وحانقاً ضد الجنود المسيحيين لرفضهم تقديم الذبائح للآلهة. وسعى بدهاء عند مولاه للحصول على أمر يقضي بمنع الاجتماعات المسيحية، وهدم الكنائس، وحرق الكتب المقدسة، وإلزام جميع المسيحيين الموظفين في المصالح العمومية بجحد إيمانهم.

ثم ألصق بالمسيحيين تهمة حرق قصر الإمبراطور. فجُن جنون ديوقلديانوس وأصدر ثلاثة أوامر أخر تُجبر مسيحيي الإمبراطورية بتقديم الذبائح للآلهة الوثنية وبالنفي أو الإعدام للمتمردين على هذه القوانين. وبدأ اضطهاد لم يكن له مثيل واستشهد فيه ألوف ألوف من المسيحيين في أهوال فظيعة يرويها لنا بالتفصيل يوسابيوس القيصري في كتابه "التاريخ الكنسي- الكتاب الثامن الفصل التاسع".

استمر التعذيب والقتل يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر، سنة بعد سنة، وكان يستشهد في اليوم الواحد خمسون وثمانون ومائة، حتى كان الجلادون أنفسهم يسأمون ويسقطون إعياءً. وكان الهمجيون من القتلة يرمون النساء والأطفال في السجون بعد جرهم على الأرض في الشوارع إلى أن تجرح أجسامهم وتسيل منها الدماء، فتروي التربة المصرية وتضيف إلى خصبها نعمة.

وعلى الرغم من القسوة والوحشية، وعلى الرغم من أن الوثنيين أنفسهم كان يعتريهم الهلع والاشمئزاز من بطش حكامهم، فإن المصري المسيحي اندفع بشجاعة عجيبة وجرأة نادرة إلى حيث تنتظره الأهوال في رضى وحبور. وكان المحكوم عليهم يسيرون وسط أناشيد التسبيح والتهليل كما لو كانوا ذاهبين إلى عُرس) 2(.

وظهر في تاريخ الكنيسة لأول مرة أن عذارى مسيحيات آثرن الموت للتخلص مما كانت السلطات تريد أن تسومهن من عار. واستمر ها الاضطهاد عشر سنين تحت حكم ديوقلديانوس ومعاونه ثم خلفه غلاريوس إلى سنة 313 بصدور قرار قسطنطين الذي منح الحرية لجميع الأديان. وإذا كان هذا الاضطهاد قد عمّ كل الإمبراطرية الرومانية إلا أنه أظهر بطشه بالأكثر في الشرق ولا سيما في مصر حيث كان أشهر ضحية هو القديس بطرس بابا الإسكندرية الذي يُلقب بخاتم الشهداء. ولا نستطيع أن نحدد عدد الشهداء الذين سفكوا دماءهم من أجل المسيح إلا أنهم يعدون بالآلاف- وكانت دماؤهم- كما يقول ترتليانوس بذاراً للمسيحيين.

ولم ينس أقباط مصر هذا الاضطهاد الشنيع. وحتى يظل دائماً في الذاكرة ويذكرهم ببسالة أجدادهم الشهداء أسسوا لهم تقويماً خاصاً يبدأ من سنة 284 عام اعتلاء ديوقلديانوس العرش الروماني وسموه تقويم الشهداء.

ومن هذا الزمان بدأ تكريم الشهداء وجمع رفاتهم ووضعها في الأماكن المقدسة والاستشفاع بهم.

وهكذا انتصرت الضحايا على جلاديها وقاومت الكنيسة جبروت الدولة الرومانية الباغية بقوة إيمانها بالرب يسوع الذي غلب الموت بموته وقيامته ووعد كنيسته بأن "أبواب الجحيم لن تقوى عليها" (مت 18:16).



ويصلي الأقباط يومياً، في كل الكنائس القبطية، من أجل وحدة كل الكنائس المسيحية. وهم يُصلّون لمصر، ونيلها، ومحصولها، ورئيسها، وجيشها، وجمهوريتها، وفوق الكل شعبها. وهم يصلون من أجل سلام العالم، ومن أجل خير وصالح الجنس البشري كله.



والرد على بعض محاولات المشككين في تاريخ الكنيسة فتجده بمعونة ربنا في هذا اللنك:

http://holy-bible-1.com/articles/display/10436



والمجد لله دائما



مراجع



تاريخ الكنيسة القبطيه الارثوزكسية

مذكرات في تاريخ الكنيسة - القمص ميخائيل جريس ميخائيل

ملخص عام لتاريخ الكنيسة المصرية القبطية

أشهر الكنائس الرسولية

موقع سانت تكلا

تاريخ الكنيسه للعلامة ايثوزورس

تاريخ بطاركة الاسكندرية

مدرسة الاسكندرية اللاهوتية

قاموس اباء الكنيسه

تاريخ الكنيسه المصرية القمس أسكندر وديع

يوسابيوس القيصري، التاريخ الكنسي.

إيريس المصري، قصة الكنيسة القبطية،.